في قلب الرباط، يعود موقع شالة التاريخي ليصبح منصة مفتوحة على الذاكرة. ومع «Nostalgia, l’âme du temps»، لا يُعرض التراث فقط، بل يُروى ويُعبر ويوضع في حركة. ويدعو العرض الجمهور إلى غوص حسي في تاريخ المكان، بين السرد البصري والإبداع الصوتي والضوء والأداء الفني.
افتتحت هذه التظاهرة الثقافية مساء الأربعاء في شالة، وتستمر إلى غاية 5 يوليوز 2026. وتقام تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتقترح رحلة عبر الحضارات التي طبعت هذا الموقع الرمزي في الرباط، من خلال حوار بين الذاكرة الأثرية والمخيال المسرحي والفنون الحية.
شالة، تراث يستعيد صوته
تحتل شالة مكانة خاصة في المخيال الثقافي المغربي. فهي مقبرة مرينية قديمة، وموقع أثري كبير، ومعلم تراثي في العاصمة يحمل آثار عدة حقب. ويستند «Nostalgia, l’âme du temps» إلى هذا العمق التاريخي لبناء تجربة لا يقف فيها المتفرج أمام معلمة فقط، بل يوجد في قلب حكاية.
يحول الإخراج الآثار إلى مادة حية. يبرز الضوء الأحجام، وترافق الموسيقى الانتقالات، وتعيد الأجساد رسم الفضاء، ويتحول التاريخ إلى حضور. ولا تبدو شالة، داخل هذا الترتيب، ديكوراً جامداً، بل مكاناً قادراً على نقل المعرفة والتأثير وجمع الناس.
لوحة فنية بين التاريخ والضوء والفنون الحية
يضع المخرج Amine Nassour العرض ضمن مقاربة لتثمين التراث الأثري الوطني. ويتمثل الطموح في تقديم لوحة درامية تغذيها المراحل الكبرى التي شكلت شالة، وتاريخ المغرب بصورة أوسع.
وتتميز هذه الدورة أيضاً بمشاركة فنية معززة. فقد انضم خريجون شباب من Institut supérieur d’art dramatique et d’animation culturelle – ISADAC إلى فنانين مغاربة متمرسين، في جسر بين نقل المعرفة والاحتراف والإبداع المعاصر. ويمنح حضور الفنانين الشباب العرض بُعداً مهماً: تراثاً ينتقل لا بوصفه إرثاً بعيداً، بل مادة قابلة لإعادة التأويل.
التراث بوصفه تجربة ثقافية معاصرة
تكمن أهمية «Nostalgia, l’âme du temps» أيضاً في قدرته على جعل التراث متاحاً عبر العاطفة والخشبة. وفي وقت يبحث فيه الجمهور عن تجارب ثقافية أكثر غمراً، يقترح العرض مقاربة تتجاوز الزيارة التراثية البسيطة، وتبني علاقة مباشرة بين المكان والتاريخ والمتفرج.
وبالنسبة إلى الرباط، مدينة المتاحف والمهرجانات والمؤسسات الثقافية والمواقع التاريخية، يؤكد هذا النوع من المشاريع دور التراث في المنظومة الثقافية المعاصرة. وتصبح شالة في الوقت نفسه مكاناً للذاكرة وفضاءً للإبداع ومنصة للقاء الفنانين والجمهور والسرديات التاريخية.
دعوة إلى إعادة اكتشاف الرباط بطريقة أخرى
من خلال إدخال الفنون الحية إلى شالة، يذكّر «Nostalgia, l’âme du temps» بأن التراث المغربي يمكن أن يُروى بأشكال جديدة من دون أن يفقد عمقه. ويحفز العرض على النظر إلى المواقع التاريخية بطريقة مختلفة: لا بوصفها آثاراً صامتة من الماضي، بل أماكن ما زالت قادرة على إنتاج المعنى والجمال والروابط.
ومن خلال هذه التجربة الغامرة، تؤكد شالة مكانتها بين المعالم الثقافية الكبرى في الرباط. إنها تجربة تخاطب عشاق التاريخ ومحبي الفنون الحية معاً، وتضع التراث داخل دينامية ثقافية راهنة بوضوح.