سينما من زمن إعادة بناء أكادير
تحتل سينما الصحراء مكانة خاصة في الذاكرة الحضرية لأكادير. توجد في قلب تالبورجت الجديدة، وتنتمي إلى التجهيزات التي شُيدت بعد زلزال 29 فبراير 1960، حين أعادت المدينة بناء نفسها وفق مخطط عمراني حديث. ولا تنشر المصادر المؤسساتية التي تم الرجوع إليها تاريخاً دقيقاً لافتتاحها، لكن المبنى يرتبط عادة بستينيات القرن الماضي وبمرحلة إعادة بناء عاصمة سوس.
وتشهد كتلته البيضاء وعناصره الخرسانية ووسائل التهوية وتكوينه الهندسي على عمارة تلك المرحلة. كما سعى مشروع الترميم إلى استعادة التعبير الأصلي للمبنى، مع إعادة تصور الداخل في أجواء مسرحية تستحضر بعض إشارات الآرت ديكو.
فضاء أُنقذ من الاختفاء
مثل عدد كبير من القاعات المغربية، عانت سينما الصحراء طويلاً من هشاشة اقتصادية. وكاد المبنى أن يُفوت لصالح مشروع عقاري، قبل أن تطالب تعبئة للسكان والجمعيات ومهنيي الثقافة والمدافعين عن التراث بالحفاظ عليه.
وفي أكتوبر 2019 صادق المجلس الجماعي لأكادير على اقتنائه بهدف صيانة هذه الذاكرة الثقافية وتحويله إلى مرفق عمومي. وأُدرج الاختيار ضمن برنامج التنمية الحضرية لأكادير 2020–2024، إلى جانب مشاريع أخرى لترميم المباني الرمزية وتعزيز العرض الثقافي للمدينة.
تأهيل معماري وتقني
انطلقت الأشغال في مارس 2021 تحت إشراف شركة التنمية المحلية أكادير سوس–ماسة تهيئة، باستثمار معلن بلغ نحو 12 مليون درهم.
وشملت عملية التأهيل تدعيم الهيكل وتجديد الأرضيات والجدران والأسقف ومعدات العرض والخشبة والإضاءة والصوتيات وراحة الجمهور. كما أُنجز مدخل أكثر وضوحاً وواجهة ترشح الضوء ولافتة مستوحاة من الخط التاريخي وعناصر زخرفية من الخشب.
وأعيد تصميم القاعة كفضاء موحد قادر على استقبال العروض واللقاءات والفعاليات الثقافية. كما أُعيد تنظيم المبنى الملحق لاحتضان مقهى في الطابق العلوي وتشكيل واجهة حضرية جديدة مفتوحة على ساحة تمري. وافتُتحت السينما المجددة وعادت إلى النشاط في نهاية ماي 2022.
قاعة بحجم إنساني
تظل الصحراء سينما بشاشة واحدة. وتشير قاعدة دولية متخصصة في تاريخ القاعات إلى سعة حالية تقارب 140 مقعداً. وبما أن هذا الرقم لا يرد في بطاقة تقنية بلدية حديثة ومنشورة، ينبغي اعتباره مؤشراً لا سعة تعاقدية مؤكدة.
ويميز هذا الحجم الحميمي القاعة عن المجمعات الكبرى، ويساعد على تنظيم عروض تليها نقاشات ولقاءات مع المخرجين وعروض أولى وبرامج سينمائية يواصل فيها الحوار تجربة الفيلم.
الشاشة الرئيسية للسينما الوثائقية في أكادير
أصبحت سينما الصحراء الفضاء الرمزي لـ المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بأكادير – فيدادوك. وقد جمعت دورتا 2025 و2026 أفلاماً مغربية وإفريقية ودولية ومسابقات وتكريمات وعروضاً أولى ولقاءات مهنية وورشات.
وضمت الدورة السابعة عشرة، المنظمة في يونيو 2026، ثمانية وعشرين عملاً من ست عشرة دولة. ولا يقتصر المهرجان على العرض، بل يطور أيضاً «خلية الوثائقي» ودروساً متقدمة وبرامج مواكبة موجهة إلى الجيل الجديد من السينمائيين الأفارقة ومن جالياتهم.
وبفضل فيدادوك تشتغل الصحراء كفضاء لسينما الواقع والذاكرة والنقاش العمومي، حيث تتناول الأفلام التحولات الاجتماعية والهجرة والإرث الاستعماري وحقوق الإنسان والبيئة والحكايات المعاصرة للقارة.
السينما الأمازيغية وتعدد وجهات النظر
تستقبل القاعة أيضاً المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي إسني ن ورغ – فينيفا، الذي يُنتظر أن يحتضن دورته السابعة عشرة في أكتوبر 2026. وتعزز هذه البرمجة دور الصحراء في نشر السينما الأمازيغية وتمثيل لغات وتواريخ وثقافات الجنوب المغربي.
ويضع الحضور المشترك لفيدادوك وفينيفا السينما عند تقاطع عدة مشاهد: السينما المغربية، والإبداع الإفريقي، والفيلم الوثائقي الدولي، والتعبيرات الأمازيغية.
برمجة تتجاوز المهرجانات
خارج المواعيد الكبرى تستقبل القاعة عروضاً متفرقة وأندية سينمائية ولقاءات وفعاليات فنية. ويبرمج المعهد الفرنسي بأكادير داخلها دورة Plan large، التي تقدم أفلاماً مغربية ودولية ترافقها أحياناً نقاشات مع الفرق الفنية.
كما يمكن للصحراء أن تحتضن حفلات وعروضاً ونقلاً جماعياً لبعض المناسبات. وتنسجم هذه المرونة مع طموح الترميم: الحفاظ على الوظيفة السينمائية للمبنى وتحويله في الوقت نفسه إلى فضاء ثقافي للقرب يخدم سكان تالبورجت وباقي التجمع الحضري.
علامة داخل المشهد الثقافي الأكاديري
تكمل السينما عرضاً يضم مسرح الهواء الطلق بأكادير، والمركب الثقافي جمال الدرة، ومركز نجوم سوس، ومتحف أكادير للفن.
غير أن أهميتها تتجاوز البرمجة وحدها. فقد أثبت إنقاذ الصحراء كيف يمكن لسينما قديمة أن تصبح تراثاً معمارياً ومرفقاً عمومياً نشطاً وأداة للتنمية الثقافية في آن واحد. وهي تربط ذاكرة إعادة بناء أكادير بالممارسات السينمائية المعاصرة.
الاستعداد للزيارة
تقع سينما الصحراء في ساحة تمري، شارع المهدي بن تومرت، وسط تالبورجت الجديدة. وتتغير البرمجة بحسب المهرجانات والشراكات والفعاليات. لذلك ينبغي التحقق من الساعة وشروط الولوج ولغة العرض أو الترجمة والحجز المحتمل لدى الجهة المنظمة قبل التنقل.
يمكن متابعة الأجندة الثقافية لأكادير للتعرف على العروض والفعاليات المقبلة، أو تصفح المؤسسات الثقافية في المدينة على كولتوراما.