أكثر من 6.48 مليارات درهم استُثمرت في التجهيزات والبنيات الثقافية بين 2018 و2024، و1,176 منشأة قيد الاستغلال، في مقابل تغطية لا تتجاوز 25% من جماعات المملكة ضمن نطاق البنيات التي شملها تقييم المجلس الأعلى للحسابات. وفي موازاة ذلك، ساهم السينما وتنظيم التظاهرات والصناعات الإبداعية وصناعة الألعاب الإلكترونية وظهور فاعلين جدد في توسيع منظومة ثقافية كانت تضم أصلاً آليات ومؤسسات أقدم. في الجزء الأول من ملف «المغرب الثقافي 2011–2026»، تطرح Culturama سؤالاً بسيطاً في صياغته، معقداً في جوهره: هل أفضت خمسة عشر عاماً من المبادرات والاستثمارات والتحولات إلى بناء منظومة متماسكة؟

قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، من الطبيعي أن تتوالى الحصائل الحكومية والتقييمات. غير أن هذا التمرين يصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالثقافة.

فمنشأة ثقافية تُفتتح خلال ولاية حكومية قد يكون التخطيط لها قد انطلق قبل سنوات. ومشروع واحد قد يجمع بين الوزارة والجهة والجماعة ومؤسسة عمومية. أما قطاع ناشئ، فقد يتقاطع في الوقت نفسه مع الثقافة والتواصل والتعليم العالي والاستثمار والتعاون الدولي.

لذلك، فإن إنجاز مشروع خلال ولاية حكومية لا يعني بالضرورة أن تلك الولاية هي التي أطلقته.

من هذا المنطلق، اختارت Culturama العودة إلى سنة 2011 وقراءة التدخل العمومي في الثقافة ضمن زمن أطول: ما الذي أُحدث؟ ما الذي استمر؟ ما الذي تعزز أو تغير أو تسارع؟ ثم، بالقدر نفسه من الأهمية، ما الذي تسمح المعطيات فعلاً بإسناده إلى حكومة بعينها، وما الذي لا تسمح بذلك؟

وقبل الميزانيات ودعم الفنانين والسينما والتراث، يبرز سؤال يسبق كل ذلك:

كيف تُحكَم الثقافة في المغرب؟

1. قبل الحديث عن الحكامة: ماذا نقصد بـ«الثقافة»؟

قد يبدو السؤال لغوياً أو اصطلاحياً، لكنه في الواقع أساسي لفهم الأرقام والسياسات.

فمصطلحات الثقافة، والقطاع الثقافي، والعمل الثقافي، والصناعات الثقافية والإبداعية تُستعمل أحياناً وكأنها تشير إلى المجال نفسه. والحال أنها لا تحيل إلى نطاق واحد.

في معناها المؤسساتي، تشمل اختصاصات قطاع الثقافة مجالات من بينها التراث، والكتاب والمكتبات، والمسرح، والموسيقى والفنون الكوريغرافية، والفنون التشكيلية، والمهرجانات، والتجهيزات الثقافية، إلى جانب عدد من آليات دعم الإبداع. وتضم الإدارة المركزية، على وجه الخصوص، مديريات تعنى بالكتاب والمكتبات والأرشيف، وبالتراث الثقافي، وبالفنون. وزارة الشباب والثقافة والتواصل — الهيكل التنظيمي لقطاع الثقافة

لكن هذا المحيط الإداري لم يعد كافياً وحده لوصف الاقتصاد الإبداعي الذي يتشكل اليوم.

فالدراسة التي نشرتها مؤسسة التمويل الدولية IFC في أبريل 2026 تتبنى مفهوماً أوسع بكثير للصناعات الثقافية والإبداعية، يشمل السينما والسمعي البصري والموسيقى والحرف الإبداعية والتصميم والموضة وصناعة الألعاب الإلكترونية والفنون الرقمية، إلى جانب أنشطة أخرى تُحتسب مكوناتها الثقافية أو الإبداعية وفق منهجية خاصة.

وبهذا التعريف الواسع، قدّرت الدراسة مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية بنحو 2.4% من الناتج الداخلي الخام سنة 2022. دراسة IFC حول الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب

في المقابل، يشير المجلس الأعلى للحسابات إلى أن مساهمة «القطاع الثقافي» في الناتج الداخلي الخام لا تتجاوز 0.5%. المجلس الأعلى للحسابات — التقرير السنوي 2024–2025

ولا يتعلق الأمر بالضرورة بتناقض بين المؤسستين.

فهما لا تقيسان الشيء نفسه.

يستخدم المجلس الأعلى للحسابات نطاقاً قطاعياً مرتبطاً بتقييمه للبنيات والتجهيزات الثقافية، فيما تعيد IFC بناء محيط اقتصادي أوسع للصناعات الثقافية والإبداعية.

وهنا تكمن مسألة منهجية مركزية: قبل قياس أداء الثقافة، ينبغي أولاً الاتفاق على ما يدخل ضمن تعريفها الإحصائي.

ولفهم اتساع هذا المجال، يفيد الرجوع إلى التاريخ.

تُظهر أعمال الباحثة أمينة التوزاني حول الثقافة والسياسات الثقافية في المغرب أن مجال تدخل الدولة لم يتشكل دفعة واحدة، بل اتسع تدريجياً عبر مراحل متعاقبة.

ففي بدايات القرن العشرين، تمحور التنظيم الإداري أساساً حول الآثار والفنون الجميلة والمباني التاريخية. وتشير وثائق وزارة الثقافة نفسها إلى إحداث مصلحة للآثار والفنون الجميلة والمآثر التاريخية منذ سنة 1912. وزارة الثقافة — وثيقة حول تاريخ الجرد والتراث بالمغرب

وبحسب أعمال التوزاني، ظهر لفظ «الثقافة» للمرة الأولى ضمن تسمية قطاع وزاري في يوليوز 1968، قبل أن يتم سنة 1974 إحداث وزارة مكرسة بالكامل للشؤون الثقافية. ولاحقاً، توسع مجال التدخل ليشمل الكتاب والمسرح والسينما والتراث ومجالات أخرى.

ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف المحيط عن الاتساع.

واليوم، تُقدَّم صناعة الألعاب الإلكترونية رسمياً بوصفها أحد مكونات تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية الرقمية، مع توجه معلن نحو هيكلة منظومتها، وتطوير التكوين والابتكار وريادة الأعمال. البوابة الرسمية للمملكة المغربية — منظومة صناعة الألعاب الإلكترونية

وبالتالي، فإن المجال الذي ينبغي تدبيره وحكامته سنة 2026 لم يعد هو نفسه الذي كان قائماً سنة 1974، ولا حتى سنة 2011.

2. منظومة أصبحت أكثر كثافة وتعقيداً

لا يتعلق اتساع المصطلحات بتغيير لغوي فقط. فالمشهد الاقتصادي نفسه تغير.

وفق النطاق الواسع الذي تعتمده IFC، حققت الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب خلال سنة 2023 حوالي 43 مليار درهم من رقم المعاملات، ووفرت أكثر من 116 ألف فرصة عمل، وضمّت نحو 9,500 مقاولة.

كما تشير الدراسة إلى الحضور المهم للمقاولات الصغيرة جداً، والعمل غير المهيكل، والبنيات غير الربحية.

بمعنى آخر، لم يعد المشهد الثقافي المغربي مقتصراً على وزارة ومجموعة من المؤسسات العمومية وشبكة من التجهيزات.

فهو يضم اليوم مستغلي القاعات السينمائية، وشركات تنظيم التظاهرات، ومهرجانات أصبحت أكثر احترافية، ومؤسسات وجمعيات، وحاضنات، ومقاولات ناشئة إبداعية، واستوديوهات للألعاب الإلكترونية، ومنتجين في المجال السمعي البصري، ومؤسسات للتكوين، وفاعلين ترابيين، وبرامج ممولة في إطار التعاون الدولي.

وهذه الكثافة تمثل، في المقام الأول، رصيداً إيجابياً.

فهي تنوع مصادر التمويل، وتتيح التجريب، وقد تسرع الابتكار، وتُفرز مهناً وأسواقاً جديدة، كما تسمح بظهور مبادرات لا تنطلق بالضرورة من الإدارة المركزية.

لكن كلما ارتفع عدد الفاعلين، أصبح سؤال آخر أكثر إلحاحاً:

من يفعل ماذا؟

3. من يحكم الثقافة فعلياً في المغرب؟

قد تكون الإجابة الأكثر مباشرة: الوزارة المكلفة بالثقافة.

لكنها ستكون إجابة ناقصة.

يتولى قطاع الثقافة إعداد وتنفيذ العمل الحكومي في المجالات التي تدخل ضمن اختصاصه، ويمارس مهام الوصاية، ويتوفر على إدارة مركزية وشبكة تضم 12 مديرية جهوية للثقافة.

وتتدخل هذه المصالح الترابية، من بين أمور أخرى، في صيانة التراث، وتنشيط الشبكة الثقافية والفنية، وإحداث وتجهيز وصيانة عدد من البنيات الثقافية. وزارة الشباب والثقافة والتواصل — مهام قطاع الثقافة

وبموازاة الوزارة، توجد مؤسسات متخصصة بمهام مستقلة نسبياً، من بينها المركز السينمائي المغربي في مجال السينما، والمؤسسة الوطنية للمتاحف في جزء من المجال المتحفي، والمكتبة الوطنية للمملكة المغربية في ما يتعلق بالرصيد الوثائقي الوطني وعدد من المهام المرتبطة بالكتاب والمكتبات.

لكن التنظيم الترابي للمملكة يضيف مستويات أخرى من القرار.

فمنذ القوانين التنظيمية لسنة 2015، أصبحت الجهات والجماعات تمارس اختصاصات ذاتية ومشتركة، أو اختصاصات يمكن تنفيذها بالتعاون والتعاقد مع الدولة، في إطار الجهوية المتقدمة ونظام الجماعات الترابية. الأمانة العامة للحكومة — النصوص المنظمة للجماعات الترابية

ثم تأتي المؤسسات والجمعيات والمقاولات والجامعات والمنظمات الدولية والفاعلون الخواص.

والنتيجة أقرب إلى شبكة منها إلى هرم إداري.

4. الثقافة تُدار بالفعل كمنظومة متعددة المستويات والأقطاب

هذه التعددية تغير طريقة فهم المسؤولية.

فقد يُقام مركز ثقافي على عقار تابع لجماعة، ويُمَوَّل في إطار اتفاقية تجمع الدولة بجماعة ترابية، ويتولى قطاع وزاري تجهيزه، قبل أن تُسند بعض جوانب استغلاله إلى مصلحة جهوية.

وقد يحصل مهرجان على تمويل عمومي، فيما تتولى جمعية تنظيمه، وتتعاون في تنفيذه مع شركة متخصصة في التظاهرات، ويستفيد في الوقت ذاته من دعم شريك دولي.

كما يمكن لمشروع يخص التراث أن يجمع الوزارة والجهة والجماعة وفاعلين في السياحة والتعمير.

وتقدم صناعة الألعاب الإلكترونية نموذجاً حديثاً لهذا التشابك.

ففي ماي 2026، جرى توقيع أربع اتفاقيات شراكة جمعت وزارة الشباب والثقافة والتواصل ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إلى جانب مؤسسات وشركاء آخرين، بهدف هيكلة منظومة صناعة الألعاب الإلكترونية بالمغرب، وتطوير التكوين الأكاديمي والمهني وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال.

وتستهدف برامج التكوين المعلنة توفير ما يقارب 4,000 متخصص في صناعة الألعاب الإلكترونية بحلول سنة 2029.

كما عزز المغرب حضوره الدولي في هذا القطاع من خلال المشاركة في تظاهرات مهنية دولية ومواكبة الاستوديوهات المغربية في جهود الانفتاح على الأسواق الخارجية.

هنا تصبح الثقافة مجالاً عابراً للقطاعات.

فصناعة الألعاب الإلكترونية تتقاطع مع الرقمنة والتكوين والاستثمار. والتراث يتقاطع مع السياحة والتعمير. والتربية الفنية تستدعي تنسيقاً مع قطاع التربية الوطنية. والسينما تجمع بين الإبداع والصناعة والاستغلال التجاري والتقنين.

في مثل هذا السياق، يصبح البحث عن مؤسسة واحدة «تحكم الثقافة» أقل أهمية من دراسة جودة الروابط والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

فالاستراتيجية لا تعني بالضرورة مزيداً من المركزية. بل تعني مزيداً من الالتقائية.

5. تعدد الفاعلين قد يكون أيضاً مصدر قوة

إن وجود منظومة متعددة الأقطاب لا يشكل، في حد ذاته، خللاً.

بل قد يسمح بتكييف المشاريع مع خصوصيات المجالات الترابية، وظهور مبادرات جديدة، وتنويع مصادر التمويل.

وقد تكون مؤسسة أو مقاولة أو برنامج للتعاون الدولي أسرع أحياناً في اختبار آليات جديدة من إدارة مركزية.

كما تستطيع الجماعات الترابية تطوير مشاريع أكثر ارتباطاً بحاجيات مجالها، فيما تتيح المؤسسات المتخصصة تركيز الخبرة في قطاعات بعينها.

ويبدو أن المغرب قد راكم، تدريجياً، منظومة ثقافية متعددة المراكز.

لذلك، لا تكمن الإشكالية بالضرورة في كثرة الفاعلين.

إنها تظهر عندما لا تلتقي تدخلاتهم بما يكفي حول أهداف مشتركة وتشخيصات ترابية متقاربة وجداول زمنية متناسقة وأدوات قياس موحدة.

والاستثمار في البنيات الثقافية يوفر أحد أفضل الاختبارات لذلك.

6. استثمارات بقيمة 6.48 مليارات درهم: البناء وحده لا يكفي

بين سنتي 2018 و2024، خُصص أكثر من 6.48 مليارات درهم للتجهيزات والبنيات الثقافية.

وبنهاية هذه الفترة، بلغ عدد المنشآت المستغلة 1,176 منشأة، من بينها مراكز ثقافية ومسارح ومكتبات ومكتبات وسائطية ومعاهد للموسيقى والفنون الكوريغرافية.

الحجم المالي مهم.

لكن التغطية الترابية تظل أكثر محدودية.

فالمجلس الأعلى للحسابات يسجل معدل 3.2 تجهيزات ثقافية لكل 100 ألف نسمة، ويرصد 380 جماعة تتوفر على بنيات ثقافية تدخل ضمن نطاق دراسته، أي ما يقارب 25% من جماعات المملكة.

وينبغي التعامل مع هذا الرقم بدقة.

فهو لا يعني أن الجماعات الأخرى تخلو كلياً من أي نشاط أو عرض ثقافي، بل يشير إلى تغطيتها بالبنيات التي شملها نطاق تقييم المجلس.

ويبرز رقم آخر أكثر دلالة.

فقد أحصى المجلس 81 منشأة ثقافية غير مستغلة، تمثل استثمارات تناهز 305 ملايين درهم أُنجزت دون أن تُثمن بالكامل.

ويرتبط ضعف الاستغلال، بحسب التقرير، بعوامل من بينها محدودية الموارد البشرية المؤهلة، وتأخر دخول المنشآت حيز الخدمة، وإكراهات الصيانة وإعادة التأهيل.

فالمنشأة التي اكتمل بناؤها ليست، في حد ذاتها، خدمة ثقافية فعلية.

7. وإذا وُجد التجهيز، فهل يُستعمل فعلاً؟

هنا تبرز ضرورة التمييز بين ثلاثة مؤشرات:

عدد المنشآت، والطاقة الاستيعابية، والإقبال الجماهيري.

فكل واحد منها يقيس واقعاً مختلفاً.

وتتيح معطيات «المؤشرات الاجتماعية للمغرب 2026» الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط قراءة أولية للتوزيع الجهوي للمسارح وقاعات العروض خلال سنة 2024. المندوبية السامية للتخطيط — المؤشرات الاجتماعية للمغرب 2026

وبحسب الجدول المعتمد، بلغ عدد المسارح وقاعات العروض 81 منشأة، بطاقة استيعابية إجمالية تصل إلى 24,478 مقعداً، وجرى تسجيل 2,119 عرضاً و1,017,158 دخولاً خلال السنة.

والمصدر الأصلي لهذه المعطيات هو وزارة الشباب والثقافة والتواصل.

وعمدت Culturama إلى تقاطع هذه الأرقام مع معطيات السكان حسب الجهات الواردة في الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، حتى لا تتم مقارنة جهة تضم ملايين السكان مباشرة بجهة لا يتجاوز عدد سكانها بضع مئات الآلاف.

واعتمدنا مؤشرين: عدد المقاعد لكل 100 ألف نسمة، وعدد الدخول المسجل لكل ألف نسمة.

وتكشف النتائج عن تفاوتات لافتة.

فهناك جهات تتوفر على طاقة استيعابية محدودة نسبياً، لكنها تسجل مستوى مرتفعاً من الإقبال قياساً بعدد السكان.

وفي المقابل، توجد جهات تتمتع بطاقة استيعابية مهمة نسبياً، من دون أن تسجل المستوى نفسه من الاستعمال.

لكن هذه الأرقام لا تسمح، بمفردها، بإصدار حكم آلي على جودة سياسة ثقافية جهوية بعينها.

فالإقبال يتأثر بعوامل متعددة: البرمجة، وجاذبية العروض، والتنقل، وموقع المنشآت، واستمرارية تشغيلها، والممارسات الثقافية، وسياسات الأسعار، وجودة جمع البيانات، والقدرة على تنمية الجمهور.

ومع ذلك، تسمح المقارنة بإثبات نقطة أساسية:

الاستثمار، والتجهيز، والاستعمال ثلاثة مستويات مختلفة من الفعل العمومي الثقافي.

ولهذه القراءة حدودها أيضاً.

فالفئة الإحصائية التي تعتمدها المندوبية السامية للتخطيط تجمع بين «المسارح وقاعات العروض»، ولا تتيح الفصل بدقة بين المسرح الدرامي والموسيقى والفكاهة والرقص وبقية أشكال الفرجة.

كما أن «الدخول» لا يعني بالضرورة عدداً مساوياً من الأفراد المختلفين، إذ قد يرتاد الشخص نفسه عدة عروض خلال السنة.

ولا تتيح المعطيات الوطنية المتاحة هنا احتساب نسبة دقيقة وموحدة لملء القاعات.

وهذه المحدودية في البيانات ليست مجرد ملاحظة تقنية.

إنها بدورها مسألة حكامة.

8. هنا يصبح تشخيص المجلس الأعلى للحسابات محورياً

لا يقول المجلس إن المغرب لم يستثمر في الثقافة.

بل يسجل، على العكس، حجماً مهماً من الاستثمار.

غير أن تشخيصه ينصب على كيفية تنظيم هذا الاستثمار وتدبيره.

ففي تقريره برسم 2024–2025، سجل المجلس غياب إطار استراتيجي شامل يتيح توجيه برمجة وتدبير تدخلات قطاع الثقافة بصورة منسقة ومندمجة.

ويربط المجلس هذا الوضع مباشرة بثلاث نتائج رئيسية: تأثر الاستخدام الأمثل للاستثمارات، وإضعاف انسجام وتكامل تدخلات مختلف الفاعلين، والحد من فعالية المشاريع العمومية المنجزة في المجال.

وتمنح وضعية الاتفاقيات بعداً عملياً لهذا التشخيص.

فمن أصل 189 اتفاقية مرتبطة بمشاريع للبنيات الثقافية أُبرمت بين 2018 و2024، لم يكن نحو 20% منها قد دخل حيز التنفيذ حتى نهاية 2024.

ويتعلق الأمر بـ39 مشروعاً، تتجاوز الاعتمادات المبرمجة لها 693 مليون درهم.

كما كان 12 مشروعاً آخر، تفوق قيمتها 388 مليون درهم، يواجه صعوبات مرتبطة بعوامل تقنية وإدارية ومالية وعقارية، إلى جانب إشكالات التنسيق.

وبذلك، لم يعد السؤال يقتصر على:

كم أنفقنا؟ وكم بنينا؟

بل أصبح أيضاً:

كيف نبرمج؟ وكيف نمول؟ وكيف نفتتح؟ وكيف نستغل؟ وكيف نقيس أثر ما نبنيه؟

9. هذا التشخيص لم يبدأ مع الحكومة الحالية

هذه النقطة أساسية لفهم الفترة الممتدة بين 2011 و2026 بعيداً عن القراءة الحزبية الضيقة.

ففي سنة 2016، أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإعداد استراتيجية وطنية حول الثقافة والإبداع، تجعل الثقافة في صلب المشروع المجتمعي والتنموي المغربي، وتدمجها في مختلف السياسات العمومية. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي — اقتصاديات الثقافة

وفي البرنامج الحكومي لسنة 2017، أُدرج ضمن الأهداف تكريس استراتيجية ثقافية وطنية، إلى جانب توجهات مرتبطة بالعدالة الترابية في توزيع التجهيزات، وتعزيز الميزانية، وتطوير الصناعات الثقافية. البرنامج الحكومي 2017

ثم عاد المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره المتعلق بسنة 2021، ليسجل أن المخطط التنفيذي كان قد حدد أجل سنتين لوضع استراتيجية ثقافية وطنية، لكن هذا الهدف لم يتحقق.

كما أشار إلى وجود مشاريع وبرامج جهوية واتفاقيات متعددة الأطراف لم تكن مصحوبة دائماً بما يكفي من آليات التنسيق والتشاور، بما يرفع مخاطر تداخل التدخلات وتكرارها. المجلس الأعلى للحسابات — التقرير السنوي المتعلق بسنة 2021

وفي سنة 2026 يعود التشخيص نفسه بصيغة أكثر وضوحاً.

ويوصي المجلس بتسريع اعتماد إطار استراتيجي مندمج يقوم على رؤية موحدة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والترابية، وأهداف مشتركة، ومؤشرات دقيقة.

إذن، نحن أمام إشكالية عابرة لعدة ولايات حكومية، ولا يمكن اختزالها في حصيلة حكومة واحدة.

10. آليات قديمة تستمر، فيما تظهر قطاعات جديدة بأدوات مختلفة

المنظومة الثقافية لا تتغير كلها بالسرعة نفسها.

فبعض السياسات تتسم بقدر كبير من الاستمرارية.

ويُعد دعم المسرح مثالاً واضحاً.

فآلية الدعم العمومي للمسرح تستند إلى بنية مؤسساتية أقدم جرى تعديلها وتحيينها تدريجياً.

وفي سنة 2024، درست اللجنة المكلفة بملفات الدعم 226 طلباً، مقابل 343 في السنة السابقة، أي بانخفاض يقارب 35%.

كما سجلت اللجنة عدداً من أوجه الضعف في إعداد الملفات الإدارية والمالية للمشاريع، قبل أن يستفيد 83 مشروعاً من الدعم.

ولا تشكل استمرارية آلية ما، في حد ذاتها، مؤشراً سلبياً.

فبعض أدوات الدعم صُممت أصلاً لكي تستمر.

لكن هذه الاستمرارية تصبح مثيرة للاهتمام عند مقارنتها بسرعة بناء أدوات مؤسساتية جديدة في بعض القطاعات الناشئة.

فصناعة الألعاب الإلكترونية باتت تستفيد من معرض متخصص، ومسارات للتكوين، وبرامج للاحتضان، واتفاقيات للشراكة، وإجراءات لدعم الابتكار وريادة الأعمال والانفتاح على الأسواق الدولية.

والسؤال هنا ليس:

هل تستحق صناعة الألعاب الإلكترونية الدعم أكثر أم أقل من المسرح؟

فهذا طرح تبسيطي.

السؤال الأهم هو:

كيف توزع الدولة قدرتها على الابتكار المؤسساتي بين بناء قطاعات جديدة وتحديث أدواتها الموجهة إلى القطاعات الثقافية التاريخية؟

فمن الممكن تماماً تطوير صناعات جديدة، وفي الوقت نفسه تحديث منظومات دعم المجالات الأقدم.

وهنا تحديداً تظهر الحاجة إلى رؤية مشتركة.

11. دعم المشاريع لا يعني بالضرورة بناء فاعلين أقوياء

الحكامة الثقافية لا تتعلق بالمؤسسات العمومية وحدها.

فهي تشمل أيضاً قدرة الفاعلين أنفسهم على تصميم مشاريعهم وتمويلها وإدارتها وضمان استمراريتها.

وتكتسي ملاحظات لجنة دعم المسرح لسنة 2024 أهمية في هذا السياق: وثائق إدارية ناقصة، وعناصر مالية غير مفصلة بما يكفي، وصعوبات في بناء بعض الملفات والمشاريع.

وتحدد دراسة IFC، من جهتها، مجموعة من العوائق أمام نمو المقاولات الإبداعية، من بينها صغر حجمها، واستمرار جزء مهم من النشاط خارج القطاع المهيكل، وصعوبة الولوج إلى التمويل.

كل ذلك يحيل إلى ورش أقل ظهوراً من بناء مسرح أو إطلاق مهرجان:

التدبير الثقافي.

فالإدارة، والإنتاج، والبحث عن التمويل، والتواصل، وتنمية الجمهور، وقياس الأثر، والتدبير القانوني، واستغلال التجهيزات، وريادة الأعمال ليست وظائف هامشية.

إنها، بدورها، بنية تحتية بشرية للمنظومة الثقافية.

12. الحكامة تعني أيضاً القدرة على القياس

أثناء إعداد هذا الملف، برزت صعوبة أخرى.

المعطيات موجودة، لكن نطاقاتها ليست دائماً متجانسة.

فالوزارة تحصي، على سبيل المثال، 161 مكتبة ضمن شبكتها الخاصة، بينما تستخدم إحصاءات وطنية أخرى للمندوبية السامية للتخطيط محيطاً أوسع أو مختلفاً.

وفي السينما، يمكن أن نتحدث عن عدد المؤسسات السينمائية أو عن عدد الشاشات، وهما مؤشّران غير متطابقين.

كما تجمع إحصاءات الفرجة بين «المسارح وقاعات العروض».

وعلى المستوى الاقتصادي، كما رأينا في بداية هذا المقال، فإن «القطاع الثقافي» لدى المجلس الأعلى للحسابات و«الصناعات الثقافية والإبداعية» لدى IFC يؤديان إلى نسب مختلفة في الناتج الداخلي الخام لأن مجال القياس نفسه مختلف.

وهذه ليست مسألة تقنية ثانوية.

قبل مقارنة الأداء، ينبغي أولاً التأكد من أننا نقارن الأشياء نفسها.

ويوصي المجلس الأعلى للحسابات، بالفعل، بإرساء نظام معلومات مندمج لتتبع التجهيزات الثقافية، بالاعتماد على لوحات قيادة ومؤشرات للأداء.

ومن الممكن توسيع هذه المقاربة مستقبلاً حتى تشمل، إلى جانب المباني، البرمجة ومعدلات الإقبال وكلفة التشغيل والجمهور والأثر على المستوى الترابي.

فالحكامة المشتركة تحتاج أيضاً إلى لغة إحصائية مشتركة.

13. بوصلة مشتركة، لا مركز قيادة

المطالبة بمزيد من الانسجام لا تعني الدعوة إلى إعادة كل القرار الثقافي إلى المركز.

بل إن ذلك سيتعارض مع منطق الجهوية المتقدمة وتنوع المنظومة نفسها.

يمكن للاستراتيجية الوطنية المندمجة أن تؤدي وظيفة مختلفة:

أن تحدد ما الذي يريد مختلف الفاعلين تحقيقه معاً، مع احتفاظ كل مؤسسة وجماعة ترابية وفاعل باختصاصاته وقدرته على المبادرة.

ويصبح الهدف، في هذه الحالة، أقل ارتباطاً بإصدار القرارات من مركز واحد، وأكثر ارتباطاً ببناء هندسة مشتركة: أهداف وطنية، وتوزيع واضح للمسؤوليات، وتنسيق بين المستويات الترابية، وتقاطع منظم مع التربية والسياحة والرقمنة والاستثمار، ومؤشرات للنتائج، وآليات دورية للتقييم.

ينبغي ألا تحل الاستراتيجية محل الفاعلين. بل أن تربط بينهم.

كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد دعا منذ 2016 إلى مقاربة مندمجة تجعل الثقافة في قلب السياسات العمومية.

واليوم، يعيد المجلس الأعلى للحسابات طرح المسألة من زاوية الحكامة والتخطيط والاستثمار.

وبين التاريخين، مرت عشر سنوات.

خاتمة — هل سبقت المنظومة هندسةَ حكامتها؟

لا يعاني المغرب من غياب الفعل الثقافي.

فهو يتوفر على مؤسسات وطنية، وهيئات متخصصة، ومديريات ترابية، وجماعات ذات اختصاصات خاصة بها، وآليات للدعم، واستثمارات مهمة، فضلاً عن قطاع خاص ونسيج جمعوي أكثر تنوعاً مما كان عليه قبل خمسة عشر عاماً.

كما شهدت الفترة نفسها ظهور قطاعات ومهن وفاعلين جدد، وتزايد الاهتمام بالبعد الاقتصادي للإبداع.

لذلك، يبدو أن الإشكال المطروح سنة 2026 لم يعد غياب الفاعلين بقدر ما أصبح مدى قدرتهم على الاشتغال في اتجاه متقارب.

فالـ6.48 مليارات درهم التي استُثمرت تعكس قدرة على تعبئة الموارد.

ووجود 1,176 منشأة مستغلة يؤكد وجود شبكة حقيقية.

لكن محدودية التغطية الترابية، والمنشآت غير المستغلة، والاتفاقيات التي لم تدخل حيز التنفيذ، والتفاوت بين الطاقة الاستيعابية والاستخدام، كلها تذكر بأن الاستثمار العمومي لا يتحول تلقائياً إلى أثر ثقافي.

إن تعقيد المشهد الحالي لا يعكس غياب المؤسسات.

بل ينتج، إلى حد بعيد، عن تعددها.

وكلما أصبحت المنظومة أكثر كثافة، وأكثر ترابية، وأكثر اتصالاً بالاقتصاد والقطاعات الأخرى، ازدادت متطلبات حكامتها.

ربما يكون المغرب قد بنى جزءاً مهماً من منظومته الثقافية قبل أن يستكمل الهندسة المشتركة التي تربط مختلف مكوناتها.

ولهذا، قد لا يكون السؤال الرئيسي للسنوات المقبلة:

كم تفعل الدولة من أجل الثقافة؟

بل:

كيف يمكن لكل هذه التدخلات، مجتمعةً، أن تنتج ثقافة أكثر حضوراً، لفائدة عدد أكبر من المواطنين؟

يتبع — الجزء الثاني

كم تخصص الدولة فعلياً للثقافة؟

يتناول الجزء المقبل من ملف «المغرب الثقافي 2011–2026» خمسة عشر عاماً من الميزانيات: تطور الاعتمادات بالقيمة الاسمية، وحصة قطاع الثقافة من الميزانية العامة للدولة، والمقارنة بين الفترات الحكومية، والتمييز بين ارتفاع الاعتمادات من جهة، والتغير الحقيقي في حجم المجهود العمومي من جهة أخرى.

ملاحظة منهجية — Culturama

طوال هذه السلسلة، تحرص Culturama، كلما سمحت المصادر بذلك، على التمييز بين مشروع أُطلق خلال ولاية حكومية، وآخر استمر خلالها، أو تعزز، أو اكتمل إنجازه في عهدها.

وعندما يتعذر إثبات علاقة سببية أو مسؤولية سياسية دقيقة، نعتمد صياغات من قبيل «خلال الفترة» بدلاً من إسناد الإنجاز مباشرة إلى حكومة بعينها.

وتعتمد السلسلة، بصفة أولوية، على معطيات وتقارير المجلس الأعلى للحسابات، والمندوبية السامية للتخطيط، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والنصوص القانونية والتنظيمية، والمعطيات الصادرة عن الإدارات والمؤسسات العمومية المعنية، فضلاً عن الدراسات المؤسساتية المرجعية.

كما يتم التنبيه إلى اختلاف النطاقات والمنهجيات الإحصائية بدل دمج أرقام غير قابلة للمقارنة في سلسلة واحدة.