الجزء الثاني من ملف «المغرب الثقافي 2011–2026». قراءة الجزء الأول: «المشهد الثقافي المغربي ازداد كثافةً. فهل واكبت حكامته هذا التحول؟»

بعد أقل من أسبوعين، يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، ستعود البرامج الحزبية والحصائل والوعود إلى الواجهة. وفي قطاع الثقافة، غالباً ما تختزل إحدى أبرز هذه الوعود في عبارة مألوفة: رفع الميزانية المخصصة للثقافة.

لكن قبل الوعود الجديدة، هناك رقم يستحق التوقف عنده.

0.04 نقطة مئوية.

هذا، تقريباً، ما كسبته الثقافة من وزن داخل الميزانية العامة للدولة بين 2012 و2026.

في 2012، بلغت ميزانية وزارة الثقافة نحو 573.974 مليون درهم. وفي 2026، وصلت ميزانية قطاع الثقافة إلى 1.427 مليار درهم.

أي بزيادة اسمية تناهز 149%، وبميزانية تضاعفت بما يقارب 2.5 مرة.

رقم يبدو، للوهلة الأولى، كبيراً.

لكن الإنفاق العام للدولة ارتفع بدوره خلال الفترة نفسها.

فقد انتقلت نفقات الميزانية العامة، وفق المقارنة المعتمدة هنا، من نحو 289.7 مليار درهم إلى 591.8 مليار درهم.

وعندما نقيس ميزانية الثقافة نسبةً إلى الميزانية العامة، تتغير الصورة:

0.198% في 2012 → 0.241% في 2026.

أي زيادة بنحو 0.043 نقطة مئوية فقط، نقربها تحريرياً إلى 0.04 نقطة.

دراهم أكثر بكثير. أولوية أكبر قليلاً. وحصة لا تزال دون ربع الواحد في المائة من الميزانية العامة.

هذا التفريق أساسي.

فالزيادة في الاعتمادات لا تعني، تلقائياً، أن قطاعاً ما أصبح أولوية أكبر للدولة. وفي حالة الثقافة، ارتفعت الميزانية فعلاً بوتيرة أسرع من الميزانية العامة خلال الفترة التي نقارنها، لكن الانطلاق كان من مستوى منخفض جداً.

لذلك تبدو القفزة كبيرة بالدرهم، فيما يبقى التحول في الوزن النسبي محدوداً.

لكن المال لا يُقرأ فقط من خلال الرقم المكتوب في قانون المالية.

فكيف يُموَّل القطاع الثقافي فعلياً؟ وأي آليات تُستخدم؟ ومن يحصل على الدعم؟ وكيف توزَّع الأموال بين الإبداع والبنيات والمهرجانات والمؤسسات والمجالات الترابية؟

والأهم: منذ دستور 2011، تعاقبت ثلاث مراحل حكومية كبرى: بنكيران، العثماني، أخنوش.

تغيرت الأغلبية الحكومية.

فهل تغير معها نموذج تمويل الثقافة؟

1. ميزانية قطاع الثقافة ليست كل ما ينفقه المغرب على الثقافة

لا تمثل 1.427 مليار درهم المرصودة لقطاع الثقافة في 2026 «الميزانية الوطنية الكاملة للثقافة».

فمن داخل هذا الغلاف تُموَّل الإدارة وعدد من البرامج والتحويلات، كما يساهم القطاع في تمويل الصندوق الوطني للعمل الثقافي، ويدعم مشاريع فنية وثقافية وتراثية مختلفة.

لكن المال الثقافي يمر أيضاً عبر قنوات أخرى.

هناك المركز السينمائي المغربي، والمؤسسة الوطنية للمتاحف، والجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية، واتفاقيات بناء وتجهيز المرافق الثقافية، والمؤسسات غير الربحية، والشركات، والتمويل الدولي، والرعاية التجارية والميسيناة.

حتى الصندوق الوطني للعمل الثقافي يحتاج إلى قراءة حذرة: موارده قد تتضمن أرصدة مرحلة من سنوات سابقة، ما يعني أن رقم «المداخيل» لا يساوي بالضرورة أموالاً جديدة ضُخت خلال السنة نفسها.

أول مشكلة منهجية: لا يتوفر، في حدود المعطيات المنشورة التي اطلعت عليها كولتوراما، حساب وطني موحد وبسيط يجمع سنوياً كل ما تنفقه الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والتعاون الدولي على الثقافة.

بعبارة أخرى، لا يوجد «صنبور» مالي واحد للثقافة.

ميزانية قطاع الثقافة هي أهم نقطة مرئية في المنظومة، لكنها ليست المنظومة كاملة.

2. 2013: الإطار الذي لا يزال ينظم جزءاً كبيراً من الدعم في 2026

إذا كانت المبالغ قد تغيرت، فإن هندسة الدعم المباشر تبدو أكثر استقراراً.

فجزء مهم من النظام الحالي يستند إلى المرسوم رقم 2.12.513 الصادر في 13 ماي 2013، خلال حكومة عبد الإله بنكيران.

هذا المرسوم أسس لمنطق بات مألوفاً في السياسة الثقافية المغربية:

طلب مشاريع → إيداع ملف → لجنة انتقاء → اختيار المستفيد → اتفاقية → دعم مالي → إنجاز المشروع.

بعد ذلك، جاءت قرارات تنظيمية ودفاتر تحملات لتفصيل الشروط حسب القطاعات: المسرح، الكتاب، الموسيقى، الفنون التشكيلية والبصرية، الجمعيات والتظاهرات والمهرجانات.

وفي 2026، لا تزال عدة برامج دعم تستند صراحة إلى هذا الإطار القانوني. مثال: برنامج دعم الفنون التشكيلية والبصرية لسنة 2026.

هذه الاستمرارية ليست، في حد ذاتها، خللاً.

فالسياسة العمومية لا تحتاج إلى تغيير قواعدها لمجرد تغير الأغلبية الحكومية.

لكنها تكشف حقيقة مهمة:

التناوب السياسي لم يؤدِّ إلى تناوب مماثل في هندسة تمويل الثقافة.

بعبارة أخرى، تغيرت الحكومات أكثر مما تغيرت «الأنابيب» التي يمر عبرها الدعم.

3. في عهد أخنوش: تعديلات مهمة… ولكن دون انقلاب على النموذج

كان يمكن أن يوحي التغيير الحكومي في 2021 بانتقال من نموذج تمويل إلى آخر، خصوصاً بعد عقد قاده حزب العدالة والتنمية.

لكن النصوص والآليات ترسم صورة أكثر تدرجاً.

يوفر المسرح مثالاً واضحاً.

آلية توطين الفرق المسرحية بالمسارح والمراكز الثقافية كانت قائمة قبل حكومة أخنوش. وفي 2019، كان الدعم العمومي قادراً على تغطية ما يصل إلى 70% من تكلفة المشروع.

وظلت الهندسة نفسها تقريباً قائمة في 2025.

أما في 2026، فجاء إطار جديد خفّض الحد الأقصى لمساهمة الدولة في مشاريع التوطين إلى 60%، مع رفع سقف قيمة المشاريع والمساعدات الممكنة، وتعزيز شروط التتبع والتقارير والتقييم. دفتر التحملات الخاص بدعم المسرح 2026.

وهنا تظهر بداية تحول في المنطق:

تمويل عمومي أقل كنسبة من المشروع + مساهمة أكبر من موارد أخرى + تعاقد وتتبع أكثر صرامة.

إنها ليست ثورة.

لكنها ليست جموداً كاملاً أيضاً.

يتغير النموذج على مراحل: دعم، ثم تمويل مشترك، ثم مؤشرات أثر، ثم اشتراطات أكبر في الاستدامة والتتبع.

4. في 2026، أمكن رصد ما لا يقل عن 51.8 مليون درهم من الدعم المباشر

تتيح النتائج المنشورة إلى حدود 8 شتنبر 2026 تكوين صورة أولية عن بعض الأموال التي تصل مباشرة إلى المشاريع والفاعلين الثقافيين.

في قطاع الكتاب والنشر، تمت دراسة 862 ملفاً، وحصل 485 مشروعاً على دعم بلغ 12.5658 مليون درهم.

وفي دعم الجمعيات والتظاهرات والمهرجانات الثقافية، تقدم 852 ملفاً، واختير 240 مشروعاً بغلاف بلغ 8.63 ملايين درهم.

وفي الفنون التشكيلية والبصرية، استفاد 72 مشروعاً من أصل 102، بمبلغ إجمالي قدره 7.838 ملايين درهم.

أما الدورة الأولى من دعم الموسيقى والغناء وفنون العرض فبلغت 7.15 ملايين درهم.

وفي المسرح، بلغت الدورة الأولى 15.595 مليون درهم.

المجموع:

51.7788 مليون درهم على الأقل.

لكن هذا ليس المجموع النهائي لسنة 2026، إذ لم تكن بعض الدورات الثانية قد اكتملت أو نُشرت نتائجها عند إعداد هذه المادة.

كما لا ينبغي إضافة 51.8 مليون درهم حسابياً إلى ميزانية 1.427 مليار درهم، لأن جزءاً كبيراً من هذه المساعدات يُموَّل أصلاً من داخل المنظومة المالية للقطاع والصندوق الوطني للعمل الثقافي.

والمثير هنا ليس المبلغ فقط.

بل أيضاً الضغط المتزايد على آليات الدعم.

في دعم الجمعيات والمهرجانات مثلاً، ارتفع عدد الطلبات من 546 ملفاً في 2022 إلى 852 في 2026، أي بنحو 56%.

لكن الغلاف المالي لم يرتفع إلا من حوالي 7.685 إلى 8.63 ملايين درهم، أي بنحو 12%.

أما عدد المشاريع المستفيدة فتراجع من 257 إلى 240.

ازدياد الطلب على التمويل الثقافي لا يعني بالضرورة اتساع دائرة المستفيدين.

5. المسرح يوضح لماذا لا يستطيع السوق تمويل كل الفنون

ليست كل الأنشطة الثقافية متشابهة اقتصادياً.

في المسرح، لا تختفي التكلفة عندما يرتفع عدد العروض.

كل عرض إضافي يحتاج إلى ممثلين وتقنيين وقاعة وتنقل وتجهيز ووقت عمل.

لهذا، من الأدق الحديث عن فنون ذات مردودية سوقية محدودة، بدلاً من وصفها بأنها «فنون لا تدرّ المال».

من أصل 15.595 مليون درهم في الدورة الأولى لدعم المسرح سنة 2026، حصل 45 مشروعاً للإنتاج والترويج على نحو 8.39 ملايين درهم.

وحصلت 12 فرقة في إطار التوطين على 6.45 ملايين درهم.

أي أن الإنتاج والتوطين يستحوذان معاً على نحو 95% من الغلاف.

ويفترض في 45 عملاً مدعوماً تقديم ستة عروض على الأقل لكل عمل، ما يعني حدّاً أدنى يقارب 270 عرضاً مبرمجاً.

أما متوسط دعم الإنتاج فيدور حول 186 ألف درهم للمشروع.

الدعم العمومي يؤدي هنا وظيفة واضحة: جعل إنتاج العمل وتقديمه ممكناً حين لا تكفي مداخيل السوق وحدها لتغطية تكلفته.

لكن السؤال الأصعب يأتي بعد انتهاء المشروع.

هل يؤدي تمويل مسرحية إلى تقوية الفرقة التي أنتجتها على المدى الطويل؟

نعرف كم حصل المشروع.

نعرف اسم المستفيد.

نعرف عدد العروض المطلوبة.

لكننا نعرف أقل بكثير عن وضع الفرقة بعد عامين:

هل زادت مداخيلها الذاتية؟ هل أصبحت لديها شراكات إنتاج؟ هل توظف أشخاصاً بشكل دائم؟ هل صارت أقل اعتماداً على طلب الدعم التالي؟

وهنا تظهر إحدى نقاط ضعف التمويل القائم على المشاريع:

المنظومة أكثر قدرة على تمويل عمل فني من قدرتها على رسملة مؤسسة ثقافية مستقرة.

6. الكتاب: تمويل الإنتاج وحده لم يعد كافياً

اقتصاد الكتاب مختلف.

فالكتاب، على عكس العرض المسرحي، منتج قابل للاستنساخ والتوزيع.

لكن ذلك لا يعني أنه سيُباع تلقائياً.

لا بد من سوق، وشبكة توزيع، ومكتبات، وقراء.

وتُظهر 12.5658 مليون درهم المرصودة في 2026 أن الدعم العمومي بدأ يتدخل في أكثر من حلقة في سلسلة القيمة.

نحو 4.79 ملايين درهم خُصصت للمشاركة في المعارض الدولية للكتاب.

و4.41 ملايين درهم للنشر.

و2.282 مليون درهم للمكتبات.

ثم تأتي المجلات الثقافية والنشر الرقمي وإقامات المؤلفين.

واللافت أن الغلاف المخصص لحضور الكتاب المغربي في المعارض الدولية أصبح في 2026 أعلى قليلاً من الغلاف المخصص مباشرة للنشر.

وهذا يعني أن منطق التدخل يتوسع من:

إنتاج كتاب

إلى:

إبداع → نشر → توزيع → ترويج → بيع → قراءة.

لكن البيانات تتوقف غالباً قبل نهاية هذه السلسلة.

كم نسخة من الكتب المدعومة بيعت فعلياً؟ كم كتاباً أعيد طبعه؟ هل ساعد الدعم المكتبات على تعزيز استدامتها المالية؟ وهل خلق قراء جدداً؟

من السهل نسبياً قياس ما أنفقناه لإنتاج الكتاب. الأصعب هو قياس ما إذا كنا قد ساهمنا في بناء سوق للكتاب.

7. كيف يُموَّل مهرجان فعلياً؟ حالة مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة

تقدم المهرجانات الكبرى نموذجاً مختلفاً: التمويل الهجين.

وتسمح دراسة مخصصة لـمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة بإلقاء نظرة نادرة على بنية تمويل مهرجان ثقافي.

في 2013، بلغت ميزانية المهرجان نحو 23 مليون درهم.

وتوزعت مصادر التمويل تقريباً على الشكل التالي:

  • 33% رعاية وميسيناة من القطاع الخاص.
  • 28% إعانات مؤسساتية.
  • 22% مساهمات مؤسسات ومقاولات عمومية.
  • 17% تمويل ذاتي، بما فيه التذاكر وكراء الفضاءات.

هذه الحالة مهمة لأنها تكسر ثنائية «الدولة أو السوق».

مهرجان بهذا الحجم يعمل من خلال تركيب مالي يجمع عدة مصادر في آن واحد.

لكن الدراسة تقدم معطى آخر أكثر إثارة للاهتمام.

من أصل حوالي 23 مليون درهم من نفقات المهرجان، أُنفق نحو 9 ملايين درهم داخل مدينة فاس، مقابل نحو 14 مليون درهم خارج المجال المحلي، خصوصاً في أجور الفنانين الدوليين والنقل والتكاليف الخارجية.

وفي المقابل، نجح المهرجان في جذب موارد قادمة من خارج المدينة.

أي أن تقييم الأثر لا يجب أن يكتفي بالسؤال:

كم تلقى المهرجان من المال العمومي؟

بل يجب أن يسأل أيضاً:

كم جذب من المال إلى المدينة؟ وكم أنفق داخلها؟ وما الذي أنفقه جمهوره في الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة؟

هذه الحالة تسمح بفصل ثلاثة مستويات غالباً ما تختلط:

  • من يمول؟
  • أين يُنفق المال؟
  • ما الأثر الاقتصادي والثقافي الذي يولده بعد ذلك؟

لكنها تكشف أيضاً حدود الاعتماد على القطاع الخاص.

المهرجان الكبير، صاحب الجمهور الواسع والتغطية الإعلامية، قابل للرعاية التجارية.

أما فرقة مسرح تجريبي، أو مجلة ثقافية متخصصة، أو إقامة للكتابة، فليس لها الجاذبية التسويقية نفسها.

السؤال ليس فقط: هل يستطيع القطاع الخاص تمويل الثقافة؟ بل: أي ثقافة يملك القطاع الخاص مصلحة في تمويلها؟

8. 6.48 مليارات درهم للبنيات الثقافية: البناء لا يعني التشغيل

يتغير حجم التمويل جذرياً عندما ننتقل من دعم المشاريع إلى الاستثمار في البنيات التحتية.

بين 2018 و2024، تجاوزت الاستثمارات في التجهيزات والبنيات الثقافية 6.48 مليارات درهم، بحسب المجلس الأعلى للحسابات.

وبنهاية الفترة، بلغ عدد المؤسسات الثقافية المستغلة 1,176 مرفقاً.

لكن الصورة ليست مكتملة.

فالتغطية لا تتجاوز حوالي 3.2 مرافق ثقافية لكل 100 ألف نسمة، ولا تشمل سوى نحو 380 جماعة، أي قرابة ربع جماعات المملكة.

كما سجل المجلس وجود 81 بنية ثقافية غير مستغلة، بما يعادل حوالي 305 ملايين درهم من الاستثمارات غير المثمنة.

ومن أصل 189 اتفاقية للبناء والتجهيز بين 2018 و2024، لم تكن قرابة 20% قد دخلت مرحلة التنفيذ عند نهاية 2024.

ويتعلق الأمر بـ39 مشروعاً تتجاوز قيمتها 693 مليون درهم، إضافة إلى 12 مشروعاً متعثراً تفوق قيمتها 388 مليون درهم. تقرير المجلس الأعلى للحسابات 2024–2025.

وهنا يصبح سؤال التمويل مختلفاً.

تكلفة المركز الثقافي لا تنتهي عند تسليم مفاتيح المبنى.

فبعد البناء، هناك الموارد البشرية، والصيانة، والبرمجة، والتقنيات، والتواصل، والوساطة الثقافية، وتنمية الجمهور.

الاستثمار في الحجر من دون نموذج تشغيل مستدام لا يصنع، بالضرورة، خدمة ثقافية.

وهو ما يفسر لماذا لا يمكن قياس السياسة الثقافية بعدد المرافق التي شُيدت فقط.

9. العدالة الترابية في التمويل لا تزال ورشاً مفتوحاً

التمويل الثقافي ليس مسألة حجم فقط.

إنه أيضاً مسألة جغرافيا.

يشير المجلس الأعلى للحسابات إلى ضعف منهجية تشخيص الحاجيات الثقافية الترابية عند برمجة بعض البنيات.

كما تُظهر بيانات الدعم الفني إشارات إلى تركّز جغرافي يستحق البحث.

ففي الدورة الأولى لدعم المسرح سنة 2024، استحوذت جهتا الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة على قرابة نصف المشاريع المستفيدة.

ومع إضافة مراكش–آسفي، تتجاوز الجهات الثلاث 60%.

هذه المعطيات تخص قطاعاً ودورة محددين، ولذلك لا تكفي وحدها للحكم على السياسة الثقافية بأكملها.

لكنها تجعل من الضروري مستقبلاً قياس الدعم حسب الجهة، وعدد السكان، وعدد الفاعلين، وعدد المستفيدين، ونوع الأنشطة.

وعندها يصبح السؤال:

ليس فقط: كم أنفقنا؟ بل أين أنفقنا؟ ولصالح من؟ وهل أنتج ذلك عرضاً ثقافياً دائماً خارج المحاور التقليدية؟

10. المال الخاص والدولي موجود… لكن قياسه أكثر صعوبة

لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في التمويل الثقافي.

في 2023، أطلق الاتحاد الأوروبي أول برنامج مخصص لدعم الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب، بغلاف بلغ 110 ملايين درهم.

وفي 2026، يدعم الصندوق الدولي للتنوع الثقافي التابع لليونسكو مشروع NUMUN لمؤسسة هبة بمبلغ 93,200 دولار.

كما تمول مؤسسات ثقافية دولية، ومؤسسات مانحة، وشركات، وبنوك، وشركات اتصالات ومجموعات صناعية عدداً من التظاهرات والفضاءات والبرامج.

لكن هناك فرقاً بين ظهور اسم الممول وشفافية قيمة التمويل.

نعرف في كثير من الحالات من هو الراعي.

لكننا نعرف أقل بكثير كم دفع.

زاوية عمياء ثانية: لا يوجد حساب وطني موحد للميسيناة والرعاية التجارية الثقافية يسمح بمعرفة حجمها السنوي وتوزيعها بين القطاعات والمناطق، أو معرفة إن كانت تتركز أساساً في المهرجانات الكبرى.

وهذا مهم لأن «القطاع الخاص» ليس مصدراً مالياً متجانساً.

الرعاية التجارية تبحث عادة عن الجمهور والظهور والعائد الاتصالي.

أما الميسيناة، من حيث المبدأ، فيمكن أن تتجه إلى أعمال لا تملك المردودية الدعائية نفسها.

والفارق بين الاثنين حاسم عندما نتحدث عن اقتصاد الثقافة.

11. بنكيران، العثماني، أخنوش: ثلاث مراحل… وليس ثلاثة نماذج منفصلة

عشية الانتخابات، تبدو المقارنة بين الحكومات أمراً بديهياً.

لكن اختزالها في سؤال «من أنفق أكثر؟» لن يكون كافياً.

بنكيران 2012–2017: بناء الإطار

ارتفعت ميزانية الثقافة من نحو 574 مليون درهم في 2012 إلى 723 مليوناً في 2017.

لكن الأهم هو أن هذه المرحلة شهدت تثبيت جزء كبير من النظام المعاصر للدعم: مرسوم 2013، طلبات المشاريع، تنظيم القطاعات، دعم الإنتاج، وتوطين الفرق المسرحية.

كما ينبغي الحذر من فكرة أن الدعم الفني الكبير بدأ فقط في السنوات الأخيرة.

ففي 2016، بلغ دعم الفنون نحو 40 مليون درهم، وهو رقم وصف لاحقاً بأنه مستوى قياسي.

العثماني 2017–2021: استمرار المنظومة… ثم صدمة الجائحة

كان البرنامج الحكومي لسنة 2017 يتحدث أصلاً عن استراتيجية ثقافية وطنية، والعدالة الترابية في التجهيزات، والرفع التدريجي للميزانية، وتطوير الصناعات الثقافية.

ثم جاءت جائحة كوفيد-19.

بين 2019 و2020، قفز عدد طلبات دعم الفنون من 327 إلى 1,096 ملفاً.

وارتفع عدد المستفيدين من 155 إلى 459.

وبلغ غلاف الدعم الفني حوالي 37 مليون درهم، أي بزيادة تقارب 30% في سنة واحدة، لكنه ظل دون مستوى 40 مليون درهم المسجل في 2016.

كما تم التعجيل بتوزيع نحو 35.4 مليون درهم من حقوق المؤلف.

في تلك اللحظة، لم يعد الدعم الثقافي مجرد أداة لتمويل الإنتاج.

تحول جزئياً إلى شبكة إنقاذ اقتصادي لقطاع توقفت فيه الأنشطة بشكل شبه كامل.

أخنوش 2021–2026: ميزانية أكبر وخطاب أكثر التصاقاً باقتصاد الثقافة

في 2026، تصل ميزانية قطاع الثقافة إلى 1.427 مليار درهم، بزيادة 8.79% عن 2025.

ويصبح خطاب الصناعات الثقافية والإبداعية أكثر حضوراً: الاستثمار، ريادة الأعمال، مهن الثقافة، تطوير التدبير، الأثر الاقتصادي، الجاذبية الترابية والوضعية المادية للفنان.

كما تظهر تعديلات في بعض الآليات، من بينها رفع متطلبات التمويل المشترك والتتبع في المسرح.

لكن جوهر نظام الدعم الذي تأسس خلال السنوات الأولى بعد دستور 2011 لا يزال قائماً.

لذلك، يمكن قراءة المسار بصورة أدق على النحو التالي:

مأسسة → تثبيت → تحديث تدريجي.

وليس:

نموذج أول → قطيعة → نموذج جديد بالكامل.

تغيرت الحكومات. أما النظام، فيتعلم ببطء.

كما يجب الحذر من نسب كل مشروع أو استثمار إلى الحكومة التي انتهى في عهدها.

فالـ6.48 مليارات درهم من البنيات الثقافية بين 2018 و2024 تمتد عبر فترتي العثماني وأخنوش، وكثير من المشاريع العمومية يمتد تصميمها وتمويلها وإنجازها على أكثر من ولاية حكومية.

12. المشكلة الأكثر وضوحاً: نعرف ما تم تمويله أكثر مما نعرف ما حققه التمويل

تحسنت شفافية نشر نتائج عدد من برامج الدعم.

أصبح بالإمكان، في عدة قطاعات، معرفة اسم المستفيد، وقيمة الدعم، ونوع المشروع، وعدد الملفات، وأحياناً بعض الالتزامات المرتبطة بالإنجاز.

لكن حين ننتقل من المدخلات إلى النتائج الفعلية، تصبح البيانات أقل انتظاماً.

  • كم بلغ عدد الجمهور الفعلي؟
  • ما التكلفة العمومية لكل متفرج؟
  • كم يوم عمل فني وتقني وُلد عن المشروع؟
  • كم أصبحت نسبة الموارد الذاتية للمؤسسة؟
  • هل استمر العمل الفني في التداول بعد سنتين؟
  • كم كتاباً أعيد طبعه؟
  • هل أصبحت المكتبة المدعومة أكثر استدامة؟
  • هل ساهم المركز الثقافي في خلق جمهور دائم؟
  • وهل أصبحت المؤسسة المستفيدة أقل اعتماداً على الدعم العمومي؟

هذه هي البيانات التي تسمح بالانتقال من السؤال:

كم أنفقنا؟

إلى السؤال:

ماذا حققنا؟

ويطرح المجلس الأعلى للحسابات المشكلة نفسها في تقييم البنيات الثقافية، حين يشير إلى ضعف أنظمة المعلومات ولوحات القيادة ومؤشرات الأداء.

خلال خمسة عشر عاماً، يبدو أن أدوات تمويل الثقافة تطورت بوتيرة أسرع من أدوات قياس أثرها.

وربما يكون هذا أهم ما تكشفه الأرقام.

13. بعد 0.04 نقطة… لا يمكن أن يبقى النقاش محصوراً في «كم؟»

المطالبة برفع ميزانية الثقافة مشروعة.

بل إن الأرقام تظهر أن القطاع حصل فعلاً على موارد أكبر، وأن وزنه النسبي في الميزانية العامة تحسن قليلاً بين 2012 و2026.

لكن تجربة السنوات الماضية تقول إن النقاش المقبل يحتاج إلى الذهاب أبعد.

السؤال ليس فقط:

كم ستبلغ ميزانية الثقافة؟

بل أيضاً:

كيف ستوزع؟

بين الإنتاج والمؤسسات؟ بين المركز والجهات؟ بين البنيات والبرمجة؟ بين الدعم العمومي والموارد الذاتية؟ بين المجالات القادرة على جذب الاستثمار الخاص والفنون التي لا تستطيع السوق وحدها ضمان استمرارها؟

والأهم:

ما النتائج التي سيُطلب نشرها مقابل كل تمويل؟

فالقول مثلاً إن برنامجاً انتخابياً سيضاعف ميزانية الثقافة لا يخبرنا، وحده، بالكثير إذا لم يقل:

لأي غرض؟ ولمن؟ وفي أي مناطق؟ وبأي آليات؟ وبأي مؤشرات للنتائج؟

لقد تطور تمويل الثقافة في المغرب.

وتعددت قنواته.

وازداد خطابه قرباً من مفاهيم الاقتصاد الإبداعي والصناعات الثقافية.

لكن استمرار الكثير من الآليات نفسها عبر الحكومات، واعتماد قطاعات واسعة على الدعم العمومي، ومشكلات تشغيل بعض البنيات، وضعف قياس الأثر، كلها تشير إلى أن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى أموال إضافية.

بل إلى نقاش حول النموذج نفسه.

بعد خمسة عشر عاماً، ونحو 0.04 نقطة مئوية إضافية داخل الميزانية العامة، لم يعد السؤال فقط: كم يريد المغرب أن ينفق على الثقافة؟ بل: أي منظومة ثقافية يريد أن يمول؟


ملاحظة منهجية

تعتمد هذه المادة، قدر الإمكان، على مقارنة ميزانية قطاع الثقافة وحده، وليس الميزانيات الإجمالية للوزارات التي تعاقبت عليها تسميات واختصاصات مختلفة خلال الفترة.

فمقارنة وزارة الثقافة منفردة بوزارة تضم في سنوات أخرى الثقافة والاتصال أو الشباب والثقافة والاتصال ستؤدي إلى نتائج مضللة.

وبالنسبة للرقم الوارد في العنوان، تعتمد كولتوراما على حدين قابلين للمقارنة:

2012: 573.974 مليون درهم ÷ 289.716 مليار درهم = حوالي 0.198%.

2026: 1.427 مليار درهم ÷ 591.814 مليار درهم = حوالي 0.241%.

الفارق يبلغ نحو 0.043 نقطة مئوية، جرى تقريبه تحريرياً إلى 0.04 نقطة.

ولا يعني ذلك زيادة بـ«0.04%»، بل 0.04 نقطة مئوية.

أما مبالغ الدعم الخاصة بـ2026 فتعكس النتائج المتاحة إلى حدود 8 شتنبر 2026. وبما أن بعض الدورات لم تكن قد اكتملت بعد، فإن 51.78 مليون درهم تمثل حداً أدنى مرصوداً، لا المجموع النهائي للسنة.