يستعد معهد العالم العربي للاحتفال بمرور 40 عاماً على تأسيسه في 2027. وترغب رئيسته الجديدة، Anne-Claire Legendre، في استثمار هذه المناسبة لتوضيح مشروع المؤسسة، وتعزيز الشراكات، وتحسين الربط بين الثقافة ونقل المعرفة والحوار السياسي.
يتجاوز هذا التوجه برمجة المعارض. فهو يعيد طرح مكانة مؤسسة أُنشئت لبناء علاقة مستدامة بين فرنسا ومجتمعات العالم العربي.
مؤسسة متعددة المهام
يجمع معهد العالم العربي متحفاً ومكتبة وفضاءات للعرض وبرامج لتعلّم اللغة العربية ولقاءات فكرية وأنشطة دبلوماسية.
يشكل هذا التنوع مصدر غنى، لكنه قد يجعل صورة المؤسسة لدى الجمهور أقل وضوحاً. هل هي متحف، أم مركز ثقافي، أم فضاء للنقاش، أم مدرسة لتعلّم اللغة، أم أداة للتعاون الدولي؟
تريد الإدارة الجديدة جعل هذه الهوية أكثر وضوحاً من دون اختزال المؤسسة في وظيفة واحدة. ويتمثل التحدي في بناء صورة عمومية منسجمة، مع احترام تنوع البلدان واللغات والحساسيات الممثلة.
دعم الإبداع المعاصر
من بين المشاريع المعلنة تطوير إقامات فنية وإحداث جائزة للفن المعاصر. ويمكن لهذه الآليات أن تؤدي دوراً مهماً عندما تمنح الفنانين الوقت ووسائل الإنتاج والمواكبة النقدية والظهور الدولي.
لكن مصداقيتها ستتوقف على الإجراءات المعتمدة: تركيبة لجان التحكيم، وشفافية المعايير، وتنوع التخصصات، والتعويض، والمتابعة بعد انتهاء الإقامة.
ولا ينبغي أن يقتصر الدعم على معرض عابر، بل يجب أن يساعد الفنانين على بناء شبكات، وتوثيق أعمالهم، والوصول إلى مؤسسات أخرى.
وتظهر هذه الرهانات أيضاً في المعرض المخصص لـ Azzedine Alaïa وأفريقيا، حيث يتيح البحث ووضع العمل في سياقه إعادة قراءته بعيداً عن صورته الأكثر شهرة.
شراكات بين المؤسسات
يرغب المعهد في زيادة الإنتاجات المشتركة مع المتاحف والمهرجانات والمؤسسات في العالم العربي. ويمكن للتعاون مع الشارقة والرياض وجدة والدوحة أو مهرجانات البحر الأحمر أن يتيح تقاسم التكاليف وتداول الأعمال.
غير أن الإنتاج المشترك يطرح مسألة الحكامة. فكل شريك يأتي بأولوياته وتمويلاته وبيئته السياسية، وعلى المؤسسة الثقافية أن تحافظ على استقلاليتها النقدية مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً.
يقع هذا التوتر في صميم الدبلوماسية الثقافية: إنشاء فضاءات للتعاون من دون تحويل البرمجة إلى مجرد تواصل رسمي.
شرح العالم العربي من دون تبسيطه
تؤكد الرئيسة الجديدة ضرورة توفير أدوات للفهم. وتكتسي هذه المهمة أهمية خاصة حين تُتناول المجتمعات العربية غالباً من خلال الأزمات والصراعات أو التمثلات الجيوسياسية.
يمكن للمؤسسة الثقافية أن تقترح مداخل أخرى: الأدب، والتصميم، والسينما، والأرشيف، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والتاريخ الاجتماعي، والإبداع الرقمي.
وتُظهر مبادرات مثل دعوة PhotoVogue MENA الموجهة إلى الفنانين البصريين بروز مشاهد فنية لا يمكن اختزالها في هوية إقليمية واحدة.
نموذج اقتصادي يحتاج إلى التعزيز
يتعين على المؤسسات الثقافية الكبرى تمويل مبانيها وفرقها ومجموعاتها وبرامجها. ويسعى معهد العالم العربي إلى تطوير الإنتاجات المشتركة والشراكات والموارد الذاتية.
لكن البحث عن التوازن لا ينبغي أن يؤدي إلى تفضيل المشاريع الأكثر جاذبية تجارياً وحدها. فالمكتبة والتربية الفنية والبحث والنقاشات أقل ظهوراً، لكنها تشكل جزءاً أساسياً من الخدمة الثقافية.
لذلك تعتمد الاستدامة على نموذج مختلط يجمع التمويل العمومي والشراكات ومداخيل التذاكر والرعاية والتعاون الدولي.
درس للسياسات الثقافية
يهم تموقع المعهد الجديد الصناعات الثقافية في المنطقة بشكل مباشر. فهو يوضح أن المؤسسة لا تستطيع الاكتفاء بمبنى مرموق أو ببرمجة قائمة على المناسبات.
عليها أن تحدد رسالتها، وتعرف جماهيرها، وتقيس أثرها، وتطور مهارات فرقها، وتبني شراكات مستدامة.
وتكمل هذه المقاربة الرهانات المعروضة في مقالنا حول 3 مشاريع مخصصة للمواهب الشابة في المغرب. فالفنانون يحتاجون إلى البرامج، لكنهم يحتاجون أيضاً إلى مؤسسات قادرة على الحفاظ على العلاقة معهم على المدى الطويل.
نحو الذكرى الأربعين
ستشكل سنة 2027 اختباراً عملياً. وينبغي أن تتحول الإعلانات إلى مشاريع واضحة، وإجراءات مفهومة، وبرمجة تجمع الإبداع ونقل المعرفة والنقاش.
ولن يُقاس النجاح بعدد الزوار فقط، بل بقدرة المعهد على أن يصبح فضاءً تستطيع فيه مجتمعات العالم العربي أن تروي نفسها بكل تعقيدها.