يستطيع الذكاء الاصطناعي التعرّف على معلم شهير، أو تلخيص رواية غربية، أو توليد صورة لمدينة كبرى بسهولة لافتة. لكنه غالباً ما يصبح أقل موثوقية بكثير عندما يواجه خطاً عربياً معقداً، أو مرجعاً محلياً، أو لغة قليلة التوثيق، أو قطعة تراثية غائبة عن مجموعات البيانات الكبرى.

لا يتعلق هذا التفاوت بمشكلة تقنية بسيطة، بل يؤثر في الطريقة التي تُوصف بها الثقافات وتُترجم ويُبحث عنها وتُمثّل داخل الأدوات الرقمية.

النماذج تتعلم مما نعرضه عليها

يُدرَّب نموذج الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من النصوص والصور. وعندما تكون بعض اللغات أو المناطق أو التقاليد موثقة بكثافة، يجد أمامه أمثلة كثيرة ليتعلم أشكالها وسياقاتها.

أما الثقافة التي لم تُرقمن بما يكفي أو وُصفت بصورة ضعيفة، فتظهر بشكل مجزأ. وقد ينتج النموذج حينها إجابات عامة، أو يخلط بين المرجعيات، أو يملأ الفراغات بصور نمطية.

إذن، لا ترجع المشكلة إلى عجز مجرد عن فهم ثقافة ما، بل إلى اختلال في البيانات والتوصيفات وأولويات البحث.

الخط العربي بوصفه اختباراً

يتيح DuwatBench، وهو معيار مخصص للتعرف على الخط العربي، قياس هذه الصعوبة. ويضم 1 272 عينة تغطي 6 أنماط خطية، من بينها الثلث والديواني والنسخ والكوفي.

يبين الباحثون أن حتى النماذج متعددة الوسائط ذات الأداء القوي قد ترتكب أخطاء كثيرة عندما يتحول النص إلى شكل فني. فالحروف تتراكب، والكلمات تتغير أحجامها، والزخرفة تعقّد القراءة.

تكشف هذه الصعوبة عن حد مهم: التعرف على حروف مطبوعة لا يعني فهم تقليد بصري. فالخط يجمع اللغة والتكوين والتاريخ والرمزية.

التراث البصري ما زال ضعيف التوثيق

أُنشئت قاعدة Turath-150K لمعالجة نقص الصور الموثقة جيداً حول التراث العربي. وهي تجمع تمثيلات لمعالم وقطع وأماكن ثقافية بهدف تحسين البحث والتعرف البصري.

لكن بناء قاعدة بيانات لا يعني مجرد تجميع الملفات. بل يتطلب وصف الصور، والتحقق من الحقوق، وتحديد الأماكن، وتوضيح الفترات، وإدماج الصيغ اللغوية المختلفة.

لذلك تؤدي المؤسسات الثقافية دوراً استراتيجياً. فالمتاحف والمكتبات والأرشيفات والجامعات والجمعيات يمكن أن تصبح منتجة لبيانات ثقافية عالية الجودة، شريطة توفر الموارد وإطار أخلاقي.

إجابة واحدة لا تناسب جميع الثقافات

تقيّم أعمال CrossCult-KIBench قدرة النماذج على تكييف إجاباتها مع سياقات لغوية وثقافية متعددة. وتبين أن الأساليب الحالية قد تحسن بُعداً معيناً، لكنها تضعف بُعداً آخر في الوقت نفسه.

قد يتعلم النموذج تفادي بعض الصور النمطية، لكنه يفقد الدقة. وقد ينتج إجابة ملائمة ثقافياً في لغة، ويفشل في أخرى.

تدعونا هذه الوضعية إلى تجاوز النظرة المبسطة إلى التوطين. فترجمة واجهة أو إضافة بعض الأمثلة المحلية لا تكفي. يجب اختبار الأدوات مع مستخدمين وباحثين ومبدعين من السياقات المعنية.

ما المخاطر التي تواجه الصناعات الثقافية؟

قد ينتج الذكاء الاصطناعي الذي يسيء فهم ثقافة ما أخطاء في الوساطة المتحفية، والترجمة، واقتراح المحتوى، والتعليم، والسياحة، أو توليد الصور.

وقد يجعل بعض الأعمال أقل ظهوراً بسبب فهرستها بصورة خاطئة. فمحرك البحث غير القادر على التعرف على أسلوب أو فنان أو لغة يحد من إمكانية اكتشافها.

تكمل هذه الرهانات ما ناقشناه في تحليلنا حول الذكاء الاصطناعي وحماية العمل الإبداعي. فالأجر والموافقة أساسيان، لكن جودة التمثيل لا تقل أهمية.

بناء سيادة ثقافية رقمية

يتطلب الحد من هذه الانحيازات عدة إجراءات: رقمنة المجموعات، وتطوير مدونات متعددة اللغات، وتمويل البحث المحلي، وتوثيق المصادر، وإشراك المجتمعات في وصف تراثها.

كما ينبغي تفادي استخراج المنصات الكبرى للبيانات الثقافية من دون أن تستفيد المؤسسات التي أنتجتها.

ولا تعني السيادة الثقافية الرقمية إغلاق البيانات، بل تحديد شروط الولوج والحقوق والمسؤوليات والاستخدامات المرغوبة.

الذكاء الاصطناعي بوصفه كاشفاً

تعمل حدود الذكاء الاصطناعي الحالية مثل المرآة. فهي تكشف الثقافات التي رُقمنت بكثافة، وتلك التي ما زالت غائبة، والجهات التي تملك البنيات اللازمة لتحويل التراث إلى بيانات.

لذلك لا يمكن أن تكون الإجابة تقنية فقط، بل يجب أن تكون ثقافية وسياسية ومؤسساتية أيضاً.

المصادر