يغير الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة مهن الصورة والموسيقى والسينما والنشر والتصميم والتواصل. ولم يعد السؤال بالنسبة إلى الصناعات الثقافية والإبداعية هو ما إذا كانت هذه الأدوات ستُستخدم، بل الشروط الاقتصادية والأخلاقية التي سيجري استخدامها ضمنها.

تحلل دراسة علمية أولية نُشرت في 2026 بعنوان Dream Machine — The Next Creative Economy ما مجموعه 374 مصدراً أولياً، تشمل دراسات ومشاورات عمومية واستطلاعات لدى المبدعين وبيانات منصات ووثائق للسياسات الثقافية.

ويقترح مؤلفوها 4 مبادئ لتنظيم هذا التحول: الشفافية والموافقة والتعويض والتصميم المتمحور حول الإنسان.

محتوى مولد بكثرة واهتمام فعلي محدود

تصف الدراسة ظاهرة تسمى «slop ceiling»، ويمكن ترجمتها بسقف المحتوى المولد على نطاق واسع. وتمثل المواد المنتجة بالذكاء الاصطناعي، بحسب الدراسة، حصة كبيرة جداً من الملفات الجديدة المنشورة على بعض المنصات، لكنها لا تستحوذ إلا على نسبة محدودة من الاستماع أو الاستهلاك الفعلي.

ووفق البيانات التي جمعها المؤلفون، فإن نحو 44% من المحتويات المحملة في بعض البيئات المدروسة مولدة أو مدعومة بقوة بالذكاء الاصطناعي، بينما لا تجذب سوى نحو 1 إلى 3% من تدفقات الاستهلاك.

ينبغي قراءة هذه الأرقام بحذر، لأن البحث ما زال دراسة أولية. لكنها تظهر اتجاهاً أساسياً: إنتاج كمية أكبر لا يعني تلقائياً خلق قيمة أكبر. فما زال اهتمام الجمهور يتركز على أعمال واضحة الهوية، خضعت لمعالجة تحريرية، وتحمل قصداً فنياً.

1. الشفافية

ينبغي أن يتمكن الجمهور وأصحاب الطلبات والفنانون من معرفة كيفية إنتاج العمل. ويقتضي ذلك توثيق استخدام النماذج التوليدية، والمراحل الأساسية للتحويل، ومصدر البيانات عندما يكون معروفاً.

لا تعني الشفافية أن العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي أقل قيمة، بل تتيح بناء علاقة ثقة والتمييز بين المساعدة التقنية والاستبدال الكامل للعمل الإبداعي.

2. الموافقة

لا ينبغي اعتبار الأعمال والأصوات والصور والأساليب المستخدمة في تدريب النماذج موارد مجانية. ويجب أن يكون بإمكان المبدعين قبول استخدام محتوياتهم أو رفضه أو التفاوض بشأنه.

يكتسي هذا المبدأ أهمية خاصة بالنسبة إلى التراث الثقافي الأفريقي واللغات الأقل انتشاراً والأرشيفات المجتمعية والتعبيرات التقليدية. فقد تكون قاعدة بيانات متاحة تقنياً، من دون أن يكون استخدامها التجاري مشروعاً ثقافياً أو قانونياً.

3. التعويض

عندما تساهم الأعمال في خلق قيمة اقتصادية لمنصة أو نموذج، ينبغي لمؤلفيها الاستفادة من تعويض أو ترخيص أو تقاسم للإيرادات.

جمعت المشاورة البريطانية حول الذكاء الاصطناعي وحقوق المؤلف، التي تحللها الدراسة، أكثر من 11 500 جواب. وعارضت أغلبية كبيرة جداً التوسيع التلقائي لحقوق التدريب من دون ضمانات لأصحاب الحقوق.

بالنسبة إلى المغرب والبلدان الأفريقية، تكتسي مسألة التعويض طابعاً استراتيجياً. فمن دون آليات للترخيص والتتبع، قد تغذي الكتالوجات الموسيقية والأرشيفات البصرية والإبداعات المحلية أنظمة عالمية، من دون عائد اقتصادي على منظوماتها الأصلية.

4. تصميم متمحور حول الإنسان

ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يعزز قدرة الفنانين على الإبداع والتجريب وكسب العيش، بدلاً من اختزال الإبداع في إنتاج آلي للكميات.

داخل استوديو تصميم أو شركة موسيقية أو هيئة تحرير أو مؤسسة ثقافية، تستطيع الأدوات تسريع مهام معينة، مثل التوثيق والترجمة والمعاينة الأولية وفرز المادة المصورة والبحث عن المراجع وإنتاج النماذج الأولية. لكن القرار الفني والمسؤولية التحريرية والعلاقة مع الجمهور يجب أن تظل بشرية.

ما الرهانات أمام الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب؟

يمكن للمؤسسات الثقافية المغربية التحرك منذ الآن عبر:

  • إضافة بنود حول الذكاء الاصطناعي إلى عقود التكليف؛
  • طلب توضيح مصدر الصور والأصوات المستخدمة؛
  • حماية الأرشيفات المرقمنة والتعبيرات الثقافية التقليدية؛
  • تكوين المبدعين في التفاوض حول الحقوق الرقمية؛
  • ربط التمويل العمومي بممارسات شفافة؛
  • دعم الأدوات الملائمة للغات والسياقات المحلية.

يمكن للذكاء الاصطناعي فتح أسواق وأشكال جديدة للإبداع. لكنه قد يعزز أيضاً، في غياب القواعد، التركيز الاقتصادي ويضعف دخل المبدعين.

لذلك لن يتوقف مستقبل الصناعات الثقافية على قوة النماذج وحدها، بل على قدرة الفنانين والمؤسسات والدول والمنصات على بناء إطار تبقى فيه التكنولوجيا في خدمة الإبداع البشري.

المصدر