افتتحت Rencontres d’Arles دورتها لسنة 2026 بـ36 معرضاً موزعاً على متاحف المدينة وكنائسها ومؤسساتها وفضاءاتها الصناعية القديمة. وتؤكد هذه الدورة 57 أن التصوير الفوتوغرافي لم يعد يقتصر على توثيق العالم، بل أصبح يسائل السرديات التاريخية والهويات الوطنية وذاكرة المجالات ومكانة الصور في المجتمعات المعاصرة.

ومن بين المقترحات الأكثر أهمية للجمهور المتوسطي والأفريقي، يبرز معرضان: الرحلة الفوتوغرافية لـ Anne-Lise Broyer حول البحر الأبيض المتوسط، ومعرض Ghana ! Rêver l’indépendance 1957–1976.

بحر أبيض متوسط بين البحر والخراب والشعر

تؤلف Anne-Lise Broyer سرداً بالأبيض والأسود يعبر قرطاج وأوستيا وتطوان وتيبازة وطرابلس وأماكن أخرى طبعتها الحركة المتوسطية.

تجمع صورها بين الأجساد والآثار القديمة والنوافذ والمشاهد الساحلية وشظايا العمارة. وترفض السلسلة صورة البطاقة البريدية المضيئة، مفضلة درجات الرمادي والآثار والغياب والروابط بين الضفتين.

يرافق هذا المسار البصري 14 شاعراً، من بينهم الشاعر المغربي Mohammed Bennis. ويتحول المشروع بذلك إلى شكل من الكتابة الجماعية، حيث يسائل التصوير والشعر ما يبقى بعد الهجرات والصراعات وتحولات الحضارات.

يكتسي هذا المعرض أهمية خاصة بالنسبة إلى Culturama، لأنه يبين كيف يمكن سرد البحر الأبيض المتوسط بعيداً عن الخطابات السياحية أو الجيوسياسية. ويظهر فضاءً حساساً بنته ذاكرات مشتركة وقصص لم تكتمل.

غانا تبني صورتها بعد الاستقلال

يُعرض Ghana ! Rêver l’indépendance 1957–1976 من 6 يوليوز إلى 4 أكتوبر 2026 في Palais de l’Archevêché، ويحلل دور التصوير الفوتوغرافي في بناء هوية وطنية بعد انتهاء الاستعمار البريطاني.

يجمع المشروع، تحت إدارة القيّمة Damarice Amao، أرشيفات وكتباً ومجلات وبطاقات بريدية وأوراقاً نقدية وطوابع وأعمال مصورين. وتبين الصور كيف سعت الدولة الغانية الفتية إلى تمثيل نفسها داخل البلد وعلى المستوى الدولي.

ويضم المسار خصوصاً James Barnor وFelicia Abban وPaul Strand وMarc Riboud وWillis E. Bell وعدداً من الفنانين المعاصرين. ويبرز قدرة التصوير على إنتاج مخيال سياسي، وكذلك على حفظ آمال مرحلة تاريخية وتناقضاتها وحنينها.

تصوير الهوامش والحياة اليومية

يشكل المعرض الاستعادي المخصص لـ Martine Barrat محطة بارزة أخرى. فقد وثقت المصورة طوال عدة عقود المجتمعات المهمشة في Harlem وBronx وBarbès بقرب نادر.

ولا تحول نظرتها الأشخاص إلى مواضيع اجتماعية مجردة، بل تلتقط الإيماءات اليومية والأطفال ونوادي الجاز والملاكمين والروابط التي تنظم الأحياء. ويلتقي هذا الاهتمام بالحياة العادية مع أحد المواضيع الكبرى للدورة: التصوير بوصفه أداة للحضور، لا مجرد دليل.

من William Klein إلى Park Chan-wook

تقترح Rencontres أيضاً قراءة سياسية لأعمال William Klein، ومعرضاً حول قرنين من تصوير الحيوانات، ومساراً عن صور الأجسام الطائرة المجهولة، وأول تقديم أوروبي للأعمال الفوتوغرافية للمخرج Park Chan-wook.

يجعل هذا التنوع دورة 2026 غنية بشكل خاص: تتعايش فيها الأرشيفات والتصوير الوثائقي والفن المعاصر والسينما والذكاء الاصطناعي، من دون محو أسئلة المسؤولية والسياق.

لماذا تهم Arles المشاهد الأفريقية؟

تؤدي المهرجانات الدولية للتصوير الفوتوغرافي دوراً مهماً في تداول الفنانين والسرديات. فقد تفتح أسواقاً، وتنشئ تعاونات، وتعزز الاعتراف المؤسساتي، لكنها تحدد أيضاً أي القصص تصبح مرئية.

ومن خلال منح غانا والبحر الأبيض المتوسط والأرشيفات الأفريقية وسرديات الشتات مكانة مهمة، تسهم Rencontres d’Arles هذه السنة في توسيع مركز ثقل التصوير الفوتوغرافي المعاصر.

المصادر