ضمن ملف «المغرب الثقافي 2011–2026»: الحكامة الثقافية · تمويل الثقافة · 43 مليار درهم: الوزن الحقيقي للصناعات الثقافية والإبداعية.

قبل ثمانية أيام من الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، لم يسبق تقريباً أن حضرت الثقافة في البرامج الانتخابية المغربية بهذا القدر من الأرقام: هدف 1% من الميزانية، مليارات الدراهم، مئات التجهيزات، وعشرات الآلاف من مناصب الشغل. لكن خلف هذا التضخم الرقمي تبرز حقيقة أخرى: الأحزاب أكثر دقة في تحديد ما تريد بناءه أو إنفاقه، وأقل وضوحاً عندما يتعلق الأمر بكيفية تحويل الاقتصاد الثقافي بشكل مستدام.

في 23 شتنبر 2026، يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لتجديد 395 مقعداً بمجلس النواب. ويشارك في الاستحقاق 27 حزباً سياسياً.

وسط زخم البرامج المتمحورة حول التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والماء، اختارت Culturama عزل ملف غالباً ما يُتناول باعتباره هامشياً، لا باعتباره سياسة عمومية قائمة بذاتها: الثقافة.

الخلاصة الأولى قد تبدو مفاجئة: الثقافة ليست غائبة عن الحملة. بل هي حاضرة بشكل لافت.

ميزانيات، تجهيزات، صناعات ثقافية وإبداعية، تراث، أمازيغية، مكتبات، سينما، إبداع، تشغيل، إشعاع دولي… معظم البرامج الكبرى التي شملها التحليل تمنح الثقافة موقعاً ما، وإن بدرجات متفاوتة جداً من الدقة.

لكن كلما انتقلنا من الشعارات إلى الآليات، ظهر تناقض أساسي.

الأحزاب أصبحت أفضل في عدّ التجهيزات التي تريد بناءها. لكنها أقل قدرة على تحديد عدد القراء الذين تريد استقطابهم، والجمهور الذي تريد تكوينه، والمؤسسات الثقافية التي تريد جعلها قابلة للتمويل، والنتائج الفعلية التي ستقيس بها أثر سياستها الثقافية.

1. هوس «1%»: الرقم نفسه… لكن ليس دائماً من الميزانية نفسها

إذا كان لا بد من الاحتفاظ برقم واحد من النقاش الثقافي خلال حملة 2026، فسيكون على الأرجح 1%.

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يعلن صراحة عزمه رفع ميزانية القطاع الثقافي إلى 1% من الميزانية العامة للدولة.

حزب التقدم والاشتراكية يتبنى بدوره هدف 1%، لكن وثيقته الرسمية تتحدث عن الانتقال من 0.4% إلى 1% من النفقات العمومية، وهو ما يعني أن قاعدة الاحتساب ليست بالضرورة هي نفسها.

أما الوثائق المتعلقة بتحالف اليسار، فتفرض قدراً أكبر من الحذر، إذ تظهر في المواد المتاحة نسبتا 1% و2% بحسب صياغة وتقديم بعض أجزاء البرنامج.

هذا الفرق ليس تفصيلاً تقنياً. إنه يغيّر الكلفة الفعلية للوعد.

ولإعطاء فكرة عن حجم التحول، يمكن إجراء محاكاة بسيطة لما سيعنيه تخصيص 1% من الميزانية العامة للدولة، انطلاقاً من البنية المالية لسنة 2026.

تبلغ نفقات الميزانية العامة نحو 591.8 مليار درهم. في المقابل، تبلغ ميزانية قطاع الثقافة حوالي 1.427 مليار درهم في 2026.

على هذا الأساس، فإن 1% من الميزانية العامة سيعادل قرابة 5.92 مليارات درهم سنوياً، أي نحو 4.15 مرات ميزانية قطاع الثقافة الحالية، وزيادة تقارب 4.5 مليارات درهم كل سنة.

هذه الأرقام ليست تقديراً رسمياً صادراً عن أي حزب، بل محاكاة تحريرية أنجزتها Culturama لإظهار حجم التحول الذي يعنيه فعلياً شعار «1%».

الوصول إلى 1% لا يعني مجرد زيادة ميزانية الثقافة. إنه، على أساس بنية ميزانية 2026، انتقال إلى مستوى مالي مختلف تماماً.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: بأي وتيرة سيتم الوصول إلى هذه النسبة؟ ما القطاعات التي ستستفيد أولاً؟ ما مصادر التمويل؟ وما مؤشرات الأداء التي ستثبت أن الزيادة أنتجت أثراً ثقافياً فعلياً؟

2. التقدم والاشتراكية يدفع منطق الأرقام إلى أبعد مدى… وصولاً إلى تمويل الجمهور نفسه

من بين البرامج التي شملها التحليل، يبدو حزب التقدم والاشتراكية الأكثر اندفاعاً نحو تحويل السياسة الثقافية إلى أهداف كمية.

يقترح الحزب، ضمن برنامجه، ما يصل إلى 20 مليار درهم إضافية على مدى خمس سنوات للثقافة، إلى جانب 300 مؤسسة ثقافية، و100 فضاء متعدد الوظائف، و150 ألف منصب شغل في الصناعات الثقافية والإبداعية، و100 مقاولة ناشئة ثقافية، وهدف رفع مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية إلى 4% من الناتج الداخلي الخام.

لكن أحد أكثر المقترحات إثارة للاهتمام لا يتعلق ببناء مؤسسة جديدة. بل يتعلق بـقسيمة ثقافية سنوية قيمتها 1000 درهم لفائدة مليوني أسرة من ذوي الدخل المحدود.

أهمية هذا المقترح تكمن في أنه يقلب المنطق التقليدي لجزء كبير من السياسات الثقافية.

فالسياسة الثقافية المغربية تموّل تاريخياً العرض: قاعة، إنتاجاً فنياً، جمعية، مهرجاناً، مؤسسة، أو مشروعاً.

أما هنا، فالدعم يتجه مباشرة إلى الطلب الثقافي.

حسابياً، إذا استفادت مليونا أسرة سنوياً من 1000 درهم، فقد تصل كلفة الآلية إلى ملياري درهم سنوياً عند بلوغها كامل طاقتها.

الفكرة تستحق النقاش. لكنها تحتاج أيضاً إلى هندسة دقيقة: ما الخدمات والمنتجات التي يمكن اقتناؤها بهذه القسيمة؟ هل تشمل الكتب والسينما والمسرح والمتاحف والحفلات الموسيقية؟ من هم الفاعلون المخول لهم قبولها؟ وكيف سيتم قياس تأثيرها على المشاركة الثقافية؟

هنا تحديداً يبدأ الفرق بين الوعد الانتخابي والسياسة العمومية القابلة للتنفيذ والتقييم.

3. التجمع الوطني للأحرار: 300 ألف منصب شغل… لكنها ليست 300 ألف وظيفة ثقافية

هناك رقم آخر يبرز بقوة في حملة 2026: 300 ألف منصب شغل.

الرقم موجود بالفعل في البرنامج الذي قدمه التجمع الوطني للأحرار. لكن قراءته تستدعي الدقة.

الحزب يتحدث عن 300 ألف منصب ضمن كتلة اقتصادية واسعة تشمل السياحة، والخدمات، ومهن الثقافة، والفنون، والترفيه.

لذلك سيكون من غير الدقيق تقديم الرقم على أنه «300 ألف منصب شغل في الثقافة». فالبرنامج لا يعزل الحصة الخاصة بالصناعات الثقافية والإبداعية داخل هذا المجموع.

الأرقام المجمعة تصنع إعلاناً سياسياً قوياً، لكنها تجعل التدقيق القطاعي أكثر صعوبة.

عند الوصول إلى 2031، هل سيكون بالإمكان تحديد عدد الوظائف التي أُحدثت تحديداً في الموسيقى؟ والتصميم؟ وصناعة الألعاب؟ والنشر؟ والسينما والسمعي البصري؟ والفنون الحية؟ من دون نقطة مرجعية أولية وتفصيل قطاعي واضح، ستظل قابلية تقييم هذا النوع من الوعود محدودة.

4. عشرة برامج… وأربع تصورات مختلفة للثقافة

المقارنة بين البرامج تكشف أن الأحزاب لا تتحدث بالضرورة عن الشيء نفسه عندما تستخدم كلمة «الثقافة».

من خلال تحليل الأولويات والمفردات والمقترحات، تميز Culturama بين أربعة تصورات سياسية مهيمنة يمكن أن تتقاطع داخل البرنامج نفسه.

الثقافة باعتبارها حقاً وخدمة عمومية

يظهر هذا التصور بوضوح لدى حزب التقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتحالف اليسار.

المفردات هنا هي المساواة المجالية، والمكتبات، والولوج إلى التجهيزات، والقرب، والقراءة، والخدمة العمومية، ودمقرطة الثقافة.

الثقافة، بهذا المعنى، ليست فقط نشاطاً فنياً. إنها حق ينبغي ضمانه للمواطن أينما كان.

الثقافة باعتبارها صناعة

هنا يتغير المعجم. ندخل عالم الناتج الداخلي الخام، والمقاولات، والشركات الناشئة، والتشغيل، والاستثمار، والتصدير، والصناعات الثقافية والإبداعية.

حزب التقدم والاشتراكية يزاوج بقوة بين هذا التصور وبين الثقافة كحق. كما يظهر البعد الاقتصادي بصورة واضحة في توجهات الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.

الثقافة باعتبارها هوية وتماسكاً مجتمعياً

في برامج أخرى، ترتبط الثقافة أكثر بالقيم، واللغات، والذاكرة، والرواية الوطنية، والمرجعيات المجتمعية.

هذا المنحى يظهر خصوصاً لدى حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال، كما يحضر في بعض جوانب برنامج حزب الأصالة والمعاصرة، خاصة في ما يرتبط بالأمازيغية.

الثقافة باعتبارها قوة ونفوذاً

تقدم الحركة الشعبية تصوراً لافتاً للثقافة باعتبارها جزءاً من السيادة، والإنتاج الوطني، والإشعاع الدولي، والقوة الناعمة.

من الإنتاج السمعي البصري الوطني إلى المحتوى والتراث والحضور الثقافي خارج المغرب، تتحول الثقافة هنا إلى أداة لبناء النفوذ وصيانة السيادة الرمزية.

هذه التصنيفات ليست ترتيباً للأحزاب ولا حكماً إيديولوجياً عليها. إنها تكشف انقساماً أعمق.

هل ينبغي أن تكون الثقافة سياسة عمومية مستقلة لها أهدافها وأدواتها الخاصة؟ أم أن دورها الأساسي هو خدمة سياسة أخرى: اقتصادية، أو هوياتية، أو مجالية، أو دبلوماسية؟

5. 700 تجهيز: هل وقعت الحملة في «لعنة الإسمنت»؟

عند جمع الالتزامات الرقمية الواضحة في برنامجي التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي، نصل إلى حوالي 700 تجهيز وفضاء ثقافي من المزمع إنشاؤها أو تطويرها أو تأهيلها.

حزب التقدم والاشتراكية: 400. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: 300.

من حيث المبدأ، الحاجة المجالية إلى التجهيزات الثقافية حقيقية.

لكن معطيات المجلس الأعلى للحسابات تفرض النظر إلى الوجه الآخر للمسألة.

بين 2018 و2024، جرى استثمار أكثر من 6.48 مليارات درهم في التجهيزات والبنيات الثقافية. وفي نهاية الفترة، بلغ عدد المؤسسات المستغلة 1176 مؤسسة.

مع ذلك، لم تكن سوى حوالي 380 جماعة، أي ما يقارب ربع جماعات المملكة، تتوفر على بنية ثقافية تدخل ضمن النطاق الذي شمله تقييم المجلس.

الأكثر إثارة للقلق أن 81 بنية ثقافية كانت غير مستغلة. وتمثل هذه المنشآت استثمارات غير مثمنة تناهز 305 ملايين درهم.

هذه المعطيات لا تعني أن المغرب لم يعد بحاجة إلى تجهيزات ثقافية جديدة. الفجوة المجالية حقيقية.

لكنها تؤكد شيئاً آخر: البناية ليست في حد ذاتها سياسة ثقافية.

فالمسرح أو المركز الثقافي يحتاج بعد افتتاحه إلى موظفين، وصيانة، وبرمجة، وتجهيزات تقنية، وتواصل، ووساطة ثقافية، والأهم: جمهور.

الإنفاق الاستثماري CAPEX من دون نفقات تشغيل OPEX، ومن دون برمجة وسياسة لبناء الجمهور، لا ينتج تلقائياً خدمة ثقافية.

لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كم قاعة جديدة سنبني؟ بل أيضاً: من سيديرها؟ بأي نموذج اقتصادي؟ ما ميزانيتها التشغيلية السنوية؟ كم يوماً ستشتغل في السنة؟ ما نوع البرمجة؟ وما حجم الجمهور المستهدف؟

6. الغائب الأكبر: الجمهور

تزداد أهمية هذا السؤال عندما ننظر إلى إنفاق الأسر.

بحسب المندوبية السامية للتخطيط، تراجعت حصة نفقات الاستهلاك المخصصة لفئة «الترفيه والثقافة» من 1.9% سنة 2014 إلى 0.5% سنة 2022.

هذا الرقم يحتاج إلى قراءة حذرة. فهو لا يعني أن «المغاربة لم يعودوا مهتمين بالثقافة».

الفترة تشمل آثار جائحة كوفيد، والتحولات في مستوى المعيشة، والضغوط التي أعادت ترتيب أولويات إنفاق الأسر.

لكن الرقم يضع أمام الأحزاب سؤالاً أساسياً: ما جدوى رفع العرض الثقافي بشكل كبير إذا لم تتطور معه القدرة والرغبة في الاستهلاك والمشاركة الثقافيين؟

من هنا تصبح قضايا مثل التربية الفنية، والوساطة الثقافية، والقراءة، والأسعار، والنقل، وأوقات فتح المؤسسات، والمعلومة الثقافية، وتجربة الجمهور، جزءاً مركزياً من أي سياسة ثقافية.

في هذا المجال، يتميز حزب التقدم والاشتراكية بعدد من الأهداف الرقمية، من بينها تكوين 5000 مدرس للفنون وتشجيع القراءة المنتظمة لدى التلاميذ.

أما في معظم البرامج الأخرى التي شملها التحليل، فتظل التربية الفنية أقل حضوراً من حيث الأهداف القابلة للقياس.

مع أن مستهلك السينما، والكتاب، والموسيقى، والمسرح، والألعاب الإبداعية في المستقبل يبدأ تكوينه أيضاً داخل المدرسة.

7. الصناعات الثقافية والإبداعية تولّد بالفعل 43 مليار درهم. مشكلتها لم تعد الاعتراف بوجودها فقط

هذا ربما أحد الأرقام الأكثر قدرة على تغيير زاوية النقاش.

في أبريل 2026، نشرت مؤسسة التمويل الدولية IFC، التابعة لمجموعة البنك الدولي، دراسة موسعة حول الاقتصاد الثقافي والإبداعي المغربي.

وبحسب تقديرات الدراسة، تمثل الصناعات الثقافية والإبداعية حوالي 2.4% من الناتج الداخلي الخام في 2022، وتحقق حوالي 43 مليار درهم من المداخيل في 2023، وتدعم أكثر من 116 ألف منصب شغل، وتضم نحو 9500 مقاولة.

لم نعد نتحدث إذن عن قطاع اقتصادي هامشي.

لكن الدراسة تكشف في المقابل عن مفارقة جوهرية. في 2021، لم تحصل الصناعات الثقافية والإبداعية إلا على أقل من 0.5% من إجمالي القروض الموجهة إلى المقاولات.

كما لا تتمكن إلا نسبة محدودة للغاية من المقاولات الإبداعية من الوصول إلى تمويل خارجي رسمي.

وهنا يظهر أحد أكبر الفراغات في البرامج الانتخابية.

الأحزاب تقترح الكثير من المال العمومي للثقافة. لكن عدداً قليلاً جداً منها يشرح كيف يمكن جعل المقاولة الثقافية قابلة للتمويل داخل السوق.

كيف يمكن للبنك تقييم كتالوج موسيقي باعتباره أصلاً اقتصادياً؟ كيف يمول استوديو لتطوير الألعاب إذا كانت أصوله الأساسية غير مادية؟ كيف يمكن تمويل فيلم قبل تحقيق مداخيله؟ كيف يمكن تصميم ضمانات لمقاولة تكمن قيمتها في الملكية الفكرية، والعلامة، والعقود، والحقوق؟

الـIFC نفسها تدعو إلى تطوير منتجات مالية ملائمة وآليات لتقاسم المخاطر.

وهنا يظهر مسار قد يكون أكثر هيكلية من مجرد إضافة برنامج جديد للمنح: إدماج الصناعات الثقافية والإبداعية بشكل فعلي ومستدام داخل المنظومة المالية.

8. حقوق المؤلف: القانون يتحرك أسرع من البرامج

عرف الإطار القانوني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة خلال 2026 تطورات تهدف إلى مواكبة الاستخدامات الرقمية.

لكن هذا التحول يكاد يكون غائباً عن البرامج الانتخابية. وهذا أمر لافت.

فالملكية الفكرية ليست موضوعاً هامشياً بالنسبة للصناعات الثقافية والإبداعية. إنها في حالات كثيرة الأصل الاقتصادي الأساسي نفسه.

أما التعويض عن النسخ الخاص، مثلاً، فهو موجود أصلاً داخل المنظومة القانونية المغربية.

لذلك لا يتعلق التحدي السياسي فقط بإصدار نصوص جديدة. بل كذلك بـالتطبيق الفعلي، والتحصيل، والشفافية، والتتبع، والتوزيع العادل للحقوق.

وعلى هذا المستوى، تبقى البرامج الانتخابية شديدة الصمت.

9. لا يمكن بعد اليوم صياغة السياسة الثقافية من الرباط فقط

هناك زاوية أخرى نادراً ما تُطرح بما يكفي: من سينفذ كل هذه السياسات؟

منذ اعتماد الجهوية المتقدمة، لم تعد الهندسة المؤسساتية المغربية تختزل في الوزارة وحدها.

الجهات والجماعات الترابية تتوفر بدورها على اختصاصات وآليات تتقاطع مع التنمية الترابية، والتراث، والتجهيزات، والثقافة.

كما تشكل برامج التنمية الجهوية إحدى الأدوات الأساسية لبرمجة الاستثمارات والسياسات على المستوى الترابي.

لذلك، فإن الوعد بإنشاء «فضاء ثقافي في كل منطقة» يظل ناقصاً إذا لم يحدد: من سيبني؟ من سيمول؟ من سيبرمج؟ من سيشغّل المؤسسة؟ ومن سيتحمل تكاليفها بعد الافتتاح؟

أحد أهم أوراش الولاية المقبلة قد يكون بالضبط بناء عقود تعاون واضحة بين الدولة + الجهات + الجماعات + الفاعلين الثقافيين + القطاع الخاص.

ولا ينبغي أن تكون الاستراتيجية نفسها في كل مكان.

فالقطاع السمعي البصري في ورزازات لا يطرح التحديات نفسها التي يطرحها النشر في الرباط. والتصميم في الدار البيضاء ليس هو التراث في فاس. والصناعات الإبداعية الرقمية في طنجة تحتاج إلى أدوات مختلفة بدورها.

العدالة المجالية الثقافية لا تعني تكرار المبنى نفسه في كل مدينة، بل بناء منظومات ثقافية تتلاءم مع الإمكانات والخصوصيات والميزة الإبداعية لكل مجال.

10. 2030 تقترب… فأين الذكاء الاصطناعي من السياسة الثقافية؟

ستقود الأغلبية المنبثقة عن انتخابات 23 شتنبر البلاد خلال المرحلة المؤدية إلى كأس العالم 2030.

وفي الوقت نفسه، يعبر المغرب بوضوح عن رغبته في بناء صناعات إبداعية رقمية جديدة، من بينها صناعة الألعاب الإلكترونية.

لكن هناك تحولاً تكنولوجياً هائلاً يكاد يغيب بالكامل عن البرامج التي درستها Culturama: الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ضمن البرامج العشرة التي شملها التحليل، لم نرصد استراتيجية متكاملة وواضحة تربط بين الإبداع الثقافي، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وحقوق المؤلفين، وبيانات تدريب النماذج، واستنساخ الصوت والصورة، والتعويض، والموافقة على استخدام الأعمال.

مع أن الأسئلة أصبحت ملحة: من يملك حق استخدام عمل مغربي لتدريب نموذج ذكاء اصطناعي؟ ماذا يبقى من حقوق الممثل إذا أمكن استنساخ صوته رقمياً؟ كيف تحمى الكتالوجات الموسيقية؟ كيف نميز المحتوى الاصطناعي عن الأصلي؟ وكيف يمكن حماية التراث البصري والسمعي المغربي عندما يتحول إلى مادة لتدريب النماذج العالمية؟

الأحزاب تتحدث عن الرقمنة. وتتحدث عن الثقافة. لكنها لا تزال تتحدث قليلاً جداً عن العلاقة بينهما.

11. المشكلة ليست قلة الوعود… بل مدى قابليتها للتقييم

بعد تحليل البرامج العشرة، تظهر حقيقة واضحة: السياسات الثقافية المقترحة في 2026 أكثر اعتماداً على الأرقام مما قد يتوقعه كثيرون.

لكن العدّ ليس هو القياس.

إنشاء 300 تجهيز مؤشر على الإنجاز المادي. لكنه ليس مؤشراً على الأثر الثقافي.

إنفاق خمسة مليارات درهم يمكن قياسه بسهولة. لكن ماذا عن عدد القراء الجدد؟ وعدد رواد المسارح المنتظمين؟ ومتوسط دخل الفنانين؟ ونسبة بقاء المقاولات الإبداعية بعد خمس سنوات؟ ونسبة التجهيزات التي تتوفر فعلياً على برمجة منتظمة طوال السنة؟ وولوج سكان المدن الصغيرة إلى الثقافة؟ وحصة الصناعات الثقافية والإبداعية من التمويل البنكي؟ وحجم حقوق المؤلف التي تصل فعلياً إلى المبدعين؟

في هذه الأسئلة، يصبح الصمت أكبر بكثير.

البرامج الانتخابية تقترح مؤشرات للإنتاج والإنجاز أكثر بكثير مما تقترح مؤشرات لقياس الأثر الثقافي.

خاتمة — بعد الإسمنت… المنظومة

القول إن الأحزاب «لا تتحدث عن الثقافة» خلال انتخابات 2026 سيكون غير دقيق.

إنها تتحدث عنها. وبعضها يتحدث عنها كثيراً.

تضع لها الميزانيات. وتربطها بالتنمية المجالية. وتمنحها أهدافاً اقتصادية أو اجتماعية أو هوياتية أو دبلوماسية.

وهذا في حد ذاته تحول مهم.

لكن القفزة التالية لن تأتي بالضرورة من عدد المليارات المعلنة، ولا من عدد البنايات الموعودة.

بل من القدرة على الربط بين التجهيزات والجمهور، والإبداع والتمويل، والفنانين والحقوق، والمقاولات والقروض، والدولة والمجالات الترابية، والثقافة والتحولات التكنولوجية.

المغرب يتوفر بالفعل على اقتصاد إبداعي تُقدر مداخيله بحوالي 43 مليار درهم. ولديه شبكة مهمة من البنيات الثقافية. ويتطور إطاره القانوني. وتظهر فيه صناعات إبداعية جديدة.

لذلك، لم يعد الرهان الحقيقي للولاية التشريعية 2026–2031 هو فقط إقناع الجميع بأن الثقافة مهمة.

بل إثبات أنها يمكن أن تُدار، وتُمَوَّل، وتُقاس نتائجها باعتبارها قطاعاً استراتيجياً حقيقياً.

وفي 2031، قد لا يكون أفضل مؤشر هو عدد الدراهم التي أنفقت. ولا عدد القاعات التي شُيدت.

هل نجحت السياسة الثقافية في خلق جمهور أكبر، وقيمة اقتصادية أكبر، وقدرة أكبر على العيش من الإبداع؟


المنهجية

حللت Culturama، إلى حدود 15 شتنبر 2026، عشرة برامج أو منصات انتخابية تتوفر فيها درجة كافية من التوثيق تسمح بالمقارنة: حزب التقدم والاشتراكية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحركة الشعبية، التجمع الوطني للأحرار، حزب الأصالة والمعاصرة، حزب الاستقلال، حزب العدالة والتنمية، الاتحاد الدستوري، تحالف اليسار، والحركة الديمقراطية الاجتماعية.

ويشارك 27 حزباً في الانتخابات التشريعية لسنة 2026.

استخدام عبارة «غياب» في هذا التحقيق يعني أن Culturama لم ترصد داخل الوثائق المدروسة مقترحاً واضحاً بما يكفي حول الموضوع المعني؛ ولا يعني أن الحزب لم يسبق له اتخاذ موقف بشأنه.

أما الأرقام الموسومة باعتبارها «محاكاة Culturama»، فهي حسابات تحريرية مبنية على معطيات عمومية وليست تقديرات رسمية صادرة عن الأحزاب. كما جرت مقارنة المعطيات الاقتصادية، قدر الإمكان، بأعمال مؤسسة التمويل الدولية IFC، والمجلس الأعلى للحسابات، والمندوبية السامية للتخطيط، ووزارة الاقتصاد والمالية.