في معرض Pierre Huyghe داخل Fondation Beyeler، لا يسير الزائر وفق مسار تقليدي. بل يدخل بيئة تتكون من أصوات وصور وضوء وحركات وأشكال تبدو وكأنها تواصل وجودها الخاص.

يدفع هذا الاقتراح إلى مدى أبعد تحولاً مهماً في الفن المعاصر: لم يعد المعرض مجرد فضاء تُجمع فيه الأعمال، بل أصبح هو نفسه عملاً فنياً له مناخه وإيقاعاته وتحولاته.

الخروج من منطق الشيء

ينظم المتحف التقليدي لقاء الجمهور بأشياء محددة بوضوح. تُعلَّق لوحة، وتوضع منحوتة على قاعدة، وتقدم بطاقة معلومات عنها.

يعمل Pierre Huyghe بطريقة مختلفة. فهو يؤلف أنظمة تتفاعل داخلها عناصر متعددة. يؤثر الصوت في إدراك الصورة، ويحوّل الضوء الفضاء، وتُدخل هيئة عضوية قدراً من عدم التوقع.

لم يعد بإمكان الجمهور استيعاب كل شيء بنظرة واحدة، بل عليه أن يقبل تجربة جزئية، وقد تكون غير مريحة أحياناً.

معرض مصمم لمكانه

صُمم المشروع المعروض في Fondation Beyeler بما ينسجم مع هندسة المتحف. ويجمع خصوصاً أفلاماً، من بينها Liminals، وحضوراً مختلفاً يغيّر أجواء القاعات.

تقرب هذه العلاقة بالمكان Huyghe من ممارسات سياقية أخرى، حتى وإن اختلفت مقارباتها. ففي مشروع Lydia Ourahmane في البندقية، تشارك المدينة وأشياؤها واستعمالاتها مباشرة في إنتاج العمل.

وفي الحالتين، فإن نقل المعرض إلى مكان آخر من دون تغييره سيفقده جزءاً من معناه.

بين الكائن الحي والتكنولوجيا

تستعير مفردات Huyghe من علم الأحياء والذكاء الاصطناعي والسينما والخيال العلمي. وتبدو بيئاته أحياناً وكأنها تمتلك سلوكاً خاصاً بها.

يثير هذا الانطباع سؤالاً: من هو المؤلف فعلاً عندما يتطور العمل وفق نظام أو كائنات حية أو بيانات؟ يصمم الفنان الشروط الأولية، لكنه لا يتحكم بالضرورة في كل حدث.

يلتقي هذا التوتر مع النقاشات حول الذكاء الاصطناعي التوليدي. ففي تحليلنا حول حماية العمل البشري في الصناعات الإبداعية، برزت مسألتا المسؤولية وقيمة التدخل البشري بوصفهما محوريتين.

عند Huyghe، لا تُستخدم التكنولوجيا لإنتاج تأثير بصري استعراضي فحسب، بل تعيد صياغة مفهوم المؤلف، وتدفعنا إلى التفكير في العمل بوصفه علاقة بين فاعلين متعددين.

الزائر لم يعد مجرد متفرج

تُنتقد المعارض الغامرة أحياناً بسبب سعيها إلى إنتاج صور استعراضية ملائمة لشبكات التواصل الاجتماعي، فتتحول الغَمرية إلى ديكور بدل أن تكون تجربة فنية.

يقاوم مشروع Huyghe هذا المنطق. فهو لا يسعى بالضرورة إلى طمأنة الزائر أو منحه زاوية نظر جاهزة للمشاركة فوراً. وقد يشعر الزائر بالتيه أو بأنه مراقَب أو عاجز عن تحديد ما هو حي، وما هو محاكاة، وما هو مسجل.

يشكل هذا الغموض جزءاً من العمل، ويتطلب نوعاً آخر من الانتباه، أبطأ وأقل تمحوراً حول استهلاك الصور.

مسؤوليات جديدة للمتاحف

إن عرض كائنات حية أو تقنيات معقدة أو تجهيزات تتطور بمرور الوقت يغيّر عمل المتحف. فالحفظ والسلامة والصيانة والوساطة والتوثيق كلها تحتاج إلى إعادة تفكير.

كيف نحفظ عملاً يتغير؟ وما الذي ينبغي صونه: أشياؤه، أم شفرته، أم شروطه، أم سلوكه؟ وكيف نشرح المشروع من دون إزالة نصيبه من الغموض؟

لم تعد هذه الأسئلة تخص المؤسسات الأوروبية الكبرى وحدها، بل سترافق أيضاً تطور الفنون الرقمية والغامرة في المغرب والمنطقة.

المعرض بوصفه وسطاً

يقترح Pierre Huyghe النظر إلى المعرض بوصفه وسطاً مؤقتاً. لا يواجه الجمهور فيه تفسيراً مغلقاً، بل وضعية تتعايش داخلها حقائق متعددة.

قد يبدو هذا الشكل متطلباً، لكنه يذكر بوظيفة أساسية للفن: بناء فضاءات تفقد فيها تصنيفاتنا المعتادة — الحي والاصطناعي، المؤلف والنظام، الواقع والخيال — ثباتها الكامل.

المصادر